الصفحة 233 من 989

ورأي بعض الأدباء أن من المنظوم ما لا يختلف عن الكلام العادي إلا بهيئة الوزن والتزام القافية، فلا يحسن أن تجعل ميزة الشعر شيئًا يعود إلى مقدار الحروف، وأشكالها، والتزام حرف منها في آخر كل قطعة منه دون أن تكون له خاصة تميزه عن غيره من جهة المعنى؛ فزادوا في بيانه قولهم: من شأنه أن يُحَبِّبَ إلى النفوس ما قصد تحبيبه إليها، ويكرِّه إليها ما قصد تكريهه إليها، وتحبيبُه الأشياء أو تكريهُها بوسيلة ما يشتمل عليه من حسن التخييل.

فالكلام الموزون المقفى الذي يحبب إلى النفوس شيئًا، أويكرِّهه إليها بوسيلة الحجة التي يصوغها العقل، وتجري عليها قوانين المنطق _ لا يسمى شعرًا على وجه الحقيقة، لأنه خالٍ من روح الشعر الذي هو حسن التخييل.

والحق أن الشعر ما يقصد به حمل النفوس على فعل الشيء أو اعتقاده، أو صرفها عن فعله أو عن اعتقاده، من جهة ما يشتمل عليه من حسن التخييل أو براعة البيان، ومن هنا دخل في الفنون الجميلة، ولا جمال في المنظوم إلا أن يكون في معناه غرابة، أو في تركيب ألفاظه براعة.

فالكلام الموزون المقفى إنما يكون حفيًا باسم الشعر متى بدى فيه وجهٌ من حسن الصَّنعة، بحيث يكون هذا الحسن زائدًا على أصل المعنى الذي يقصد بالإفادة أولًا، ولا فرق بين أن يكون أثر البراعة في التخييل، أو أثر البراعة في ترتيب المعاني وإيرادها في ألفاظ مؤتلفة سنيَّة.

ولا ننسى أن للنفس عند سماع الكلام الموزون حالًا من الارتياح غير حالها عند سماعه منثورًا، يدل لهذا الجُمَلُ البليغة المرسلة إذا تُصُرِّفَ فيها بنحو التقديم والتأخير حتى وافقت وزنًا من الأوزان المألوفة؛ فإن ارتياح النفس لها بعد هذا التصرف يكون أوفر.

ومن أمثلة ما جرى فيه التخييل البارع قول أبي زيد عبد الرحمن الفنداقي الأندلسي من قصيدة ألقاها بين يدي إدريس بن يحيى، أحد أمراء الأندلس:

ومصابيح الدجى قد طفئت

... في بقايا من سواد الليل جونْ

وكأن الظل مِسكٌ في الثرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت