الصفحة 238 من 989

وكثيرًا ما يكون ارتياح الأمير لبيت واحد سببًا في إغناء الشاعر ودفع مظلمته، نقرأ في أخبار ابن شرف أن أحد عمال المعتصم ناقشه في قرية له، فورد ابن شرف على المعتصم شاكيًا هذا العامل، وأنشد بين يديه قصيدة في الغرض، ولما بلغ قوله:

لم يبق للجور في أيامهم أثر

... إلا الذي في عيون الغيد من حور

قال المعتصم: كم في القرية التي تحرث فيها من بيت؟ قال: فيها خمسون بيتًا، فقال له: أسوغك جميعها لهذا البيت الواحد، ثم وقّع له بها، وعزل عنها كل والٍ.

وكيف ترى ابتهاج أبي عمرو بن العلاء، حين سمع قول بشار:

لم يطل ليلي ولكن لم أنم

... ونفى عني الكرى طيف ألم

روِّحي عني قليلًا واعلمي

... أنني يا عبدُ من لحم ودم

إن في برديّ جسمًا ناحلًا

... لو توكأت عليه لانهدم

لا شك أن ابتهاجه لسماعه كان بالغًا ما يمكن أن يبلغ، ينبئك بهذا أنه سُئل عن أبرع الناس بيتًا، فقال: الذي يقول: لم يطل ليلي، وأنشد الأبيات الثلاثة.

العلماء والشعر:

في العلماء من يلذ استطلاع الحقائق إلى حد أن يستغرق أوقاته في البحث العلمي، ويرغب عن أن يصرف في صناعة الشعر، أو تذوّق بلاغته ولو ساعة من شهر، حكى المقري أنه أنشد بحضرة العلامة محمد بن إبراهيم الأبلي قول ابن الرومي:

أفنى وأعمى ذا الطبيبُ بطبه

... وبكُحْله الأحياءَ والبصراءَ

فإذا مررت رأيت من عميانه

... جمعًا على أمواته قرّاءَ

قال: فاستعادني الأبيات، حتى عجبت منه مع ما أعرف من عدم ميله إلى الشعر، ثم قال: أظننت أنني استحسنت الشعر؟ إنما تعرفت منه أن العميان كانوا في ذلك الزمان يقرأون على المقابر، فإني كنت أرى ذلك حديث العهد؛ فاستفدت التاريخ.

وفي العلماء من يأخذ الشعر البارع بمجامع قلبه، ويجد في نفسه قوةً على نظمه، فيضرب مع الشعراء بسهم، ليزين عمله بهذا الفن الجميل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت