الصفحة 239 من 989

وسبْقُ الشعراء المتجردين للشعر وحده في هذه الحلبة لا يثني العلماء عن تعاطيه؛ نظرًا إلى أنه فن من فنون الأدب الجميلة، وقد يتخذ وسيلة إلى جلب خير أو دفع أذى.

والتاريخ يحدثنا أن في أعلام العربية من كانوا يجيدون صناعة القريض، كابن دريد، الذي كانوا يصفونه بأنه أعلم الشعراء وأشعر العلماء، ومن مختارات شعره الأبيات العينية التي يقول فيها:

ومن لم يزعه لبه وحياؤه

... فليس له من شيب فوديه وازع

ومثل الإمام النحوي أبي الحسين علي بن أحمد بن حمدون، ومن جيد شعره:

تناءت ديار قد ألفتُ وجيرةٌ

... فهل لي إلى عهد الوصال إيابُ

وفارقت أوطاني ولم أبلغ المنى

... ودون مرادي أبحر وهضاب

مضى زمني والشيب حل بمفرقي

... وأبعد شيء أن يُردَّ شباب

ويحدثنا أن في رجال الفقه من يجيد التخيل، ويحسن صياغة الكلام المنظوم، كالقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي الذي قال فيه أبو العلاء المعري:

والمالكي ابن نصر زار في سفر

... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا

إذا تفقه أحيا مالكًا جدلًا

... وينشر الملك الضليل إن شعرا

ومن نظم هذا القاضي:

متى تصل العطاش إلى ارتواء

... إذا استقت البحار من الركايا

ومن يَثْنِ الأصاغر عن مراد

... وقد جلس الأكابر في الزوايا

وإنَّ ترفّعَ الوضعاءِ يومًا

... على الرفعاء من إحدى البلايا

إذا استوت الأصاغر والأعالي

... فقد طابت منادمة المنايا

ويحدثنا بأن في علماء الحديث من يجيد صنع الشعر، مثل الحافظ سليمان ابن موسى الكلاعي؛ فإن له من الشعر ما يشبه أن يكون عربيًا مطبوعًا، ومما قال:

أحن إلى نجد ومن حل في نجد

... وماذا الذي يغني حنينيَ أو يجدي

وقد أوطنوها وادعين وخلفوا

... مُحِبَّهُمُ رهن الصبابة والوجد

وضاقت عليّ الأرض حتى كأنها

... وشاحٌ بِخَصرٍ أو سوارٌ على زند

ونجد للقاضي عياض _وهو من علماء الحديث والفقه_ شعرًا ذاهبًا في التخييل إلى حد بعيد ومما قال:

انظر إلى الزرعِ وخاماتُه

... تحكي وقد ماست أمام الرياح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت