فهرس الكتاب
كتيبة خضراء مهزومة
... شقائق النعمان فيها جراح
ويحدثنا أن في علماء المنطق والرياضيات من يصنع صورًا خيالية، ويبرزها في ألفاظ عذبة رقيقة، مثل أبي بكر بن الصائغ الأندلسي، ومن نظمه البديع قوله:
ضربوا الخيام على أقاحي روضة
... خطر النسيم بها ففاح عبيرا
وتركت قلبي سار بين حمولهم
... دامي الكلوم يسوق تلك العيرا
لا والذي جعل الغصون معاطفًا
... لهمُ وصاغ من الأقاح ثغورا
ما مر بي ريح الصبا من بعدهم
... إلا شهقت له فعاد سعيرا
يبرع بعض العلماء في الشعر، ولكن فحول الشعراء من غير العلماء يكون جيد أشعارهم أكثر، ونَفَسهم في الشعر أطول، وقرائحهم إلى المعاني الغربية أسرع.
التجديد في الشعر:
يجري على ألسنة المحاضرين، وأقلام الكتب حديث التجديد في الشعر، ولسنا ممن يتجافى عن رأي التجديد؛ إذ التجديد سنة من سنن الشعراء النابغين، ولا سيما شعراء ينشؤون أو ينزلون في بلاد عامرة بمظاهر المدينة، وإنما نريد بحث ما يعنى بكلمة التجديد، حتى نصل إلى مافيه إصلاح الشعر، ونتحامى هدم ناحية من نواحي اللغة الفصحى.
للشعر مقاييسُ، وقوافٍ، ومعانٍ، وألفاظٌ، وأساليبُ، وفنونٌ.
أما المقاييس فقد نظم العرب في ستة عشر مقياسًا، وهي المدونة في كتب العروض وما زال الشعراء يصوغون أشعارهم على هذه المقاييس إلى عهد الدولة العباسية، وفي ذلك العهد حدثت موازين خارجة عن الموازين السالفة، ووجدت كما تجد الأزجال في هذا العهد من يعجب بها، ويلذ سماعها.
ومن الموشحات الأندلسية ما يختلف في أشطار القصيدة بالطول والقصر اختلافًا بيّنًا، كقول أبي الحسن بن سهل:
كحل الدجى يجري
... من مقلة الفجر
... على الصباح
ومعصم النهر
... في حلل خضر
... من البطاح
ومن هذا القبيل موشحة ابن الوكيل، التي دخل بها على أعجاز قصيدة ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلًا من تدانينا
... وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ومما يقول في الموشحة:
يا جيرة بانت
... عن مغرم صب
لعهده خانت