الصفحة 25 من 989

وأما العقلية فهي حركة الفكر في المعقولات التي تطمح إليها النفس، وشعوره بالحقائق التي يجد عند الشعور بها مَسَرَّةً لا يَعْدِلُها عنده شيءٌ، وهذه يجدها العقل طوع (1) متى بالغ في البحث وجدها منطاعة لا تقف به عند حد.

أما إن أردتم التعب الشديد، والمشقة في السرور فاطلبوا قسمنا الثالث من أقسام اللذة، أعني ما تطلبه النفس، ويقتضيه البدن، تجدون خَرْطَ القتاد دونه سهلًا، وتفرضه في المحبة الحب العشقي؛ فإن الروح إن تعلقت به لقيت في سيرها من المكدرات ما يُمَرِّر حلاوة منالها منه، وإذا كانت مطالب الروح غير واقفة عند مدى فإن سلطانَ وهمِ المحبة يتسلط عليها، فيناجيها أن تطمع باتحاد الروحين، وأن تروم المقارنة الدائمة، والرِّضا الأبدي، وهكذا يغادرها تستهتر بأماني لا يتناهى غرامها، ولا يبرد أوامها، ولكنها تجد طريق الاقتضاء هذا البدن القادر في مبدئه، العاجز في غايته، الذي تَسِمُه المداومة، وتعوقه الموانع، فماذا عساه حقق من مطالب هاتِه الروح، وكم ذا يمكنها أن تقضي من استخدامه؟ لا شك أنها سيكون لهما مثلًا في هذه الحال قول أبي الطيب:

وإذا كانت النفوس كبارًا

... تعبت في مرادها الأجسام

فإذا نظرنا بعدَ هذا إلى المقدار الذي يمكن الإنسان تناوله من غير القسم الثاني نجد أن لا شيء من الملاذ الحسية بلذَّة حقيقية، وإن تموَّه على عقول جمهور الناس؛ فإن هاته الملاذَّ _ على ما فيها من توقف على تسويغات الدين، والصحة، والعادة، والاحتياج إلى مُكْنة الفرص _ هي واقفة عند غاية.

(1) كأن فيه كلمة ساقطة، ولعلها: يديه. (م)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت