الصفحة 26 من 989

ثم ماذا ترى عند البلوغ إلى غايتها؟ ترى الهَيْضَة إن أَكَلتْ، والامتلاء إن شَرِبتْ، والندامة إن داعبتْ، والعجز إن استزادتْ، غير أن الذي يريد أن يغض عن هذا كله، ولا يعتبر من حال اللذات إلا أوقات اقتضائها، ويقول ما الإنسان إلاَّ ابن ساعته، وما هو بمفكر في التي تليها _ نقول له: انظر إليك وأنت تزعم أنك في لذاتك الحالية، وجرد عقلك مما تسلط عليه من الوهم _ تجد نفسك في لذاتك كلها محتاجًا إلى معونة غيرك، وإن كنت عاجزًا عن تحضير أسباب لذاتك؛ فليتك تشعر أنك تفقد واحدًا، أو ينقبض لك آخر، وفي الأقل تفكر في انتهاء اللذَّة ومفارقتها، وكيف تجدك في حالك هاته ألا تجدك كما قال الشاعر:

فأبكي إن نأَوا شوقًا إليهم ... وأبكي إن دنوا خوف الفراق (1)

حكي أن الناصر لدين الله ملك قرطبة كتب بخطه أنه لم يَصْفُ له من زمان حكمه على ذلك البلد الطيب في ذلك السلطان القاهر الذي دام خمسين سنة إلا ساعات تَلَفَّق من جميعها مقدارُ أربعة عشر يومًا؛ لذلك قال الأسطوانيون (2) من الفلاسفة: إن الدنيا دار شقاء، وبلاء.

دعْ عنك هذا، وولِّ وجهك شطر اللذات الروحية والكمالات العقلية تجد المرء متى التذَّ بشيء منها لا يقف عند منتهى؛ فهو كلَّ الزمان مبتهج بما يعلمه من العلوم، ويستفيده من الآداب.

(1) هذه إشارة إلى أبيات للنصيب بن رباح يصور فيها حال العاشق ويقول:

وما في الأرض أشقى من محبٍّ

وإن وجد الهوى حلوا المذاق

تراه باكيًا في كل حين

مخافة فرقة أو لاشتياق

فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم

ويبكي إن دنوا خوف الفراق

(م)

(2) هم أصحاب زينون الفيلسوف اليوناني الزاهد المولود سنة 490 قبل المسيح، وهو الذي لما مات بأثينا، صاغوا له تاجًا من الذهب، وضعوه على قبره تنويهًا بقدره، وقال بعض خطبائهم في ذلك: =ليعلم أن أهل أثينا يكرمون أهل الفضل أحياء وأمواتًا+.

أما كلمة أسطوانيين، فالتحقيق أنها مأخوذة من اليونانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت