الصفحة 27 من 989

وهذا حال الحكيم؛ فهو دائمًا ينظر نفسه؛ فيستفيد علومًا، ويلمح العالم؛ فيزداد تذكرة، وتُزْوى له الدنيا؛ فلا تهزه وهو مسرور بإقبالها، وتدبر عنه وهو مسرور بما يعلم من إخلافها، ربما نام ليلة وهو يرصد طلوع الصباح للرجوع إلى لذة التفكير التي قطعها عنه النوم، فإن حاول أمرًا، أو أتم له فلا تسل عن لذته منه، وإن لم يتم فقد حَصَّل _ في الأقل _ معرفةَ طريقِ لا يُهدى إليه، ومتى أَلَمَّ به ضررٌ من مصاب استهون به في فائدة التجربة، كما يرى العالم النحرير؛ فيسره مرآه؛ لما ينال من علمه، كذلك يرى الأحمق الجاهل؛ فيعلمه وبالأقل يأخذ الحكمة من حاله بطريق الحضارة (1) ؛ فرب خطأ جر إلى صواب.

إذن فالحكيم لا يتنكد أبدًا، وهو مسرور في كل وقت، سبب ذلك علمه بحقيقة كل شيء؛ لأنَّ هاته الدنيا _وإن كانت خضرة حلوة_ فإنها تعقب تفاهةً، أو مرارة في فَم مجتنيها، ومن ثمَّ لا يوجد فيها سرورٌ متساوي الأطراف، وقد كادت مصالحها أن لا تسلم من ضرر تُخْلِفه.

وينبغي أن يكون هذا سبيل طائفة الابيكوريين (2) من الفلاسفة الذين يرون الدنيا كلها لذَّات؛ فإن رئيسهم لا يذهب عنه أن متاعبها كثيرة لغير الحكيم، ولكنه أراد اقتضاء لذاتها بقدر الاستطاعة.

(1) أي بطريق استحضار قبح صنيع ذلك الأحمق، وتجنب فعله. (م)

(2) هم أصحاب أبيكور الفيلسوف اليوناني المولود سنة 341 قبل المسيح ومات سنة 270 وهو الذي كان مبدؤه أن الدنيا خلقت للسرور، وكان قد اتخذ لتلاميذه مدرسة في بستان كبير، وكان يسلك بهم مسلك الرياضة والنزهة والأكل الطيب البسيط الذي لا يخلف أكدارًا، ويرى أن الرجل يجب عليه اغتنام اللذات بقدر استطاعته، ويجب أن يتكدر في الدنيا.

ولا شك أن هذا لا يتم بغير ما بيَّنا من التوطين النفسي؛ فإن كل غرض أبيكور تحصيل مع إهمال هذا، فهو يطلب ما لا يسمح به الزمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت