الصفحة 28 من 989

جاءت شريعة الإسلام في آدابها على الحكمة الفطرية، فلذلك يكون حال المؤمن أشبه بحال الحكيم، ذلك أن الدين يأمره أن يأخذ من الدنيا ما يريد من الحلال، وأن لا يكون جازعًا عند فقدها.

وبهاته التربية التي أصلها التسليم للقدر فيما لا حيلة فيه فُقِدت المفاسد التي تنشأ عن الآلام في الأمم الأخرى من انتحار وجنون ونحوهما، قال _تعالى_ [وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا] القصص: 77.

إذا كانت النفس ميَّالة إلى لذاتها في كل حال فالعاقل لا يسمح لنفسه باقتضاء لذتها الحسية، وربما وصل العقل إلى التفكر في حال اللذة ومآلها، فرأى أَنْ لابدَّ من انقطاعها، فقطعها قبل أن تقطعه، وهو مبدأ عظيم من الحكمة، قال فيه فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري:

ضحكنا وكان الضحك منَّا سفاهة ... وحقّ لِسُكَّان البسيطة أن يبكوا

وكما ترى من نفسك استنكافًا عن بعض اللذات، وترى غيرك يرغب فيها، بل ترى من نفسك الفرق في لذاتك بين حالتي الصبا والفتوة مثلًا_ كذلك لا تشك أنَّ الحكمة إنْ أشرقت على قوم ربما نزعت كلَّ هَوَسٍ من قلوبهم، فرأوا الدنيا كلها سفاسف وغرورًا، كما ترى أنت اليوم الرقصَ مع الصبيان وتَلَقُّفَ الكرة جنونًا بعد أنْ كانا شُغُلَك الوحيدَ.

أُولئك هم السعداء الذين استوى عندهم الكدر والطرب، فعاشوا وقلوبهم ممتعة بإدراك الحقائق الذي وراءه للعاقل مطلب، وهذا قسم شريف فات أبا الطيب إذ يقول:

تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع

ولمن يغالط في الحقائق نفسَه ... ويسومها طلب المحال فتطمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت