الصفحة 285 من 989

ولعل من أهم أسباب الحزن ضيقَ الأفق، وكثرة تفكير الإنسان في نفسه، حتى كأنها مركز العالم، وكأن الشمس والقمر والنجوم والبحار والأنهار والأمة والحكومة والميزانية والسعادة والرخاء كلها خلقت لشخصه؛ فهو يقيس كل المسائل بمقياس نفسه، ويديم التفكير في نفسه وعلاقة العالم بها، و هذا _ من غير ريب _ يوجد البؤس والحزن؛ فمحال أن يجري العالم وفق نفسه؛ لأن نفسه ليست المركز، وإنما هي نقطة حقيرة على المحيط العظيم، فإن هو وسَّع أفقه، ونظر إلى العالم الفسيح، ونسي نفسه أحيانًا، ونسي نفسه كثيرًا _ شعر بأن الأعباء التي ترزح تحتها نفسه، والقيود الثقيلة التي تثقل بها نفسه قد خفت شيئًا فشيئًا، وتحللت شيئًا فشيئًا.

وهذا هو السبب في أن أكثر الناس فراغًا أشدهم ضيقًا بنفسه، لأنه يجد من زمنه ما يطيل التفكير فيها إلى درجة أن يجن بنفسه؛ فإن هو استغرق في عمله، وفكر في أمته وفكَّر في عالمه، كان له من ذلك لذة مزدوجة: ذة الفكر والعمل، ولذة نسيان النفس.

ولعل من أول دروس فن السرور أن يقبض على زمام تفكيره؛ فيصرِّفه كما يشاء؛ فإن هو تعرض لموضوع مُقْبِضٍ _ كأن يناقش أسرته في أمر من الأمور المحزنة، أو يجادل شريكه، أو صديقه فيما يؤدي إلى الغضب _ حوَّل ناحية تفكيره، وأثار مسألة أخرى سارَّةً ينسى بها مسألته الأولى المحزنة؛ فإن تضايقْت من حديث ميزانية البيت فتكلم في السياسة، وإن آلمك حديث =الكادر+فتكلم في الجو، وانقل تفكيرك كما تنقل بيادق الشطرنج.

ثاني الدروس أو ثالثه _ لا أدري _ ألاَّ تقدر الحياة فوق قيمتها؛ فالحياة هينة، وكل ما فيها زائل؛ فاعمل الخير ما استطعت، وافرح ما استطعت ولا تجمع على نفسك الألم بتوقع الشر ثم الألم بوقوعه؛ فيكفي في هذه الحياة ألم واحد للشر الواحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت