الصفحة 286 من 989

وأخيرًا، افعل ما يفعله الفنانون، فالرجل لا يزال يتشاعر حتى يكون شاعرًا، ويتخاطب حتى يصير خطيبًا، ويتكاتب حتى يصير كاتبًا؛ فتصنَّع الفرح والسرور والابتسام للحياة؛ حتى يكون التطبع طبعًا.

الابتهاج بالحياة (1) للأستاذ أحمد أمين

لقد أكثرت في أحاديثي الماضية عن متاعب الحياة فلأحدثكم اليوم عن الابتهاج بالحياة.

والحق أنَّا لو قارنا بين الغربيين والشرقيين لوجدنا أن الشرقيين تغلب عليهم طبيعة الحزن والاكتئاب.

وهذا ما يلاحظه الغربيون على الطلبة الشرقيين الذين يتعلمون عندهم، وهذا _أيضًا_ ما نلاحظه نحن على أنفسنا، فنحن إذا حدث ما يستوجب الحزن أفرطنا فيه كما يحدث في الوفيات؛ نبالغ في البكاء على الميت، وننغص حياتنا لفقده مدة طويلة، ونقيم التقاليد الكثيرة من مآتم وأخمسة وأربعين، وحفلات تأبين ونحو ذلك.

وكذلك نبالغ في الحزن في النكبات كالحزن عند الأمراض، والحزن عند خسارة مالية، ونحو ذلك.

وكثير منا إذا لم يجد سببًا من أسباب الحزن أوجده؛ فهو وأهله في صحة، وعندهم من المال ما يكفيهم، ودنياهم سائرة على ما يرام، ولكنهم مع ذلك يخلقون أسباب الحزن خَلْقًا؛ فيحملون همَّ المستقبل، وماذا سيكون فيه؟ أو يتنازعون على شيء تافه؛ فيحزنون من أجله.

وعلى كل حال فطبيعتنا يغلب عليها الحزن، ومن فرح بالحياة وابتهج بها فابتهاج قليل يعقبه حزن طويل، أو إفراط في مباهج الحياة يسبب تنغيصًا، وحزنًا، وألمًا يعقبه أضعاف ما ناله من فرح وابتهاج.

ولعل السبب في انتشار طابع الحزن علينا يرجع إلى أمور كثيرة، أهمها ما مضى على الشرق من عصور كان فيها ظلم الحكام شديدًا قاسيًا أمات روح الناس، وقلل من ابتهاجهم.

وتلا هذا الاستعمار وما فيه من ظلم، واستغلال، وضغط على الحرية جعل الناس يألمون ويكتمون ألمهم، والألم المكتوم أفعل في النفس من الألم الظاهر.

(1) فيض الخاطر، 10/ 202 _ 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت