الصفحة 287 من 989

وهناك سبب آخر وهو أن الحياة في الشرق تسودها الفوضى، وعدم النظام، والفوضى في الحياة تسبب المتاعب والألم؛ فإذا كان البيت فوضى تعب أفراد الأسرة، وإذا كانت الوظائف فوضى تعب الموظفون، وإذا كان الترام والسيارات فوضى تعب الراكبون، وإذا كان الطباخون وقائدوا السيارات والخدم لا يسيرون في حياتهم على نمط معقول تعب من يعاملهم، وهكذا...

فالإنسان في استمرار يعامل طائفة كبيرة من أفراد المجتمع، فإذا لم تنتظم الحياة معهم سببت الألم والمتاعب، وهيجت الأعصاب، وأورثت الحزن، وهكذا...

والحياة فن من الفنون فإذا ضاع فن الحياة ضاع السرور بها، بل إن السرور بالحياة نفسه فن من الفنون، ويخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية، فيشترط لأجل أن يكون مسرورًا مالًا وبنين وصحة ونحو ذلك.

فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم ومنهم من ينعم في الشقاء، ومن الناس من لا يستطيع أن يشتري ساعة سعيدة ضاحكة مستبشرة بأغلى الأثمان، ومنهم من يستطيع أن يشتريها بأتفه الأثمان، وذلك لاختلافهم في الطبع والمزاج.

إننا نحتاج للابتهاج بالحياة إلى شيئين هامين: أولهما تنظيم الحياة في أنفسنا وفي مَنْ حولنا؛ فالبيت إذا نُظِّم _ أعني نُظِّمت ميزانيتُه، ونظمت حياةُ صغاره وكباره، ونظمت العلاقة بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد_ كان أهله أقربَ إلى الابتهاج بالحياة.

والموظف إذا نظمت مصلحته، أعني حسنت علاقته بينه وبين رؤسائه ومرؤوسيه كان أهدأَ بالًا، وأسعدَ حالًا.

وكذلك كل ما يتعلق بالإنسان من شؤون إذا نظمت كانت مبعث سعادة وابتهاج.

والأمر الثاني الشجاعة؛ فكثيرًا ما يكون سبب الحزن فقدان الشجاعة، يخاف الإنسان من الموت، ويخاف من الفقر، ويخاف أن تنزل به كارثة، ويخاف من المستقبل، ويخاف أن يفشل في عمله؛ فهذا الخوف كله ينغص عليه حياته، ويجعله منقبضًا غير مبتهج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت