الصفحة 288 من 989

وسبب آخر وهو عدم تنظيم أسباب السرور، وهذا أمر يحتاج إلى مهارة، فالزوج أو الزوجة في البيت إذا مَهَرا في خلق أسباب السرور جعلا البيت جنة، ونحن تنقصنا هذه المهارة في خلق السرور مع مهارتنا الكبرى في خلق المنغصات؛ فاجتماعات المنزل كثيرًا ما تنتهي بنزاع، حتى الملاهي العامة كثيرًا منها لا يرضي الذوق السليم ولا الفن الرفيع، وكثيرًا ما تكون تافهة لا يجملها فن، ولا يرقيها ذوق، ومن أجل هذا كان أشد الناس بؤسًا في الحياة هنا من رقي ذوقه، ونبلت نفسه.

إن الناس يختلفون في قدرتهم على الابتهاج بالحياة اختلاف المصابيح الكهربائية، فمنها مصباح محترق لا ضوء فيه، ومنها مصباح يضيء بقوة عشر شمعات، أو خمس عشرة، أو عشرين أو مائة أو مائتين، وهكذا الناس طبيعة منيرة مضيئة مشرقة، وطبيعية حزينة أسيفة مكتئبة مظلمة.

وجزء من هذا الاختلاف طبيعي في خِلْقَةِ بعض الأفراد، ولكن الجزء الكبير يرجع إلى العادة؛ فمن السهل تعويد النفس النظر إلى الحياة نظرًا بهيجًا مفرحًا.

ومن الملاحظ أن الذين يغلب عليهم الحزن هم الذين يكثرون التفكير في أنفسهم، والتفكير في مستقبلهم؛ فإذا اعتدل الإنسان في التفكير في نفسه، ووسع أفقه، وفكَّر في غيره، وفكَّر في العالم كان أقل حزنًا، وأكثر ابتهاجًا.

وهذا الفن _ فن الابتهاج بالحياة _ يتطلب أن يقبض الإنسان على زمام تفكيره فيصرفه كما يشاء، فإن رأى نفسه قد تعرض لموضوع مُقْبض كميزانية بيته، أو سوء مصلحته، أو متاعبه في وظيفته_ فليحول تفكيره إلى مسألة أخرى، ويثير مسألة من المسائل التي تجلب السرور عليه.

ومن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت _ لا قدر الله _ فليقابلها بشجاعة واعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت