لا نريد بكراهة هذه الرأفة المفرطة أن يَفْتَكَّ من الصبي سائرَ إرادته، ويسلب منه جميع عزائمه، كما يفعله الجاهلون بأساليب الإصلاح والتهذيب؛ إن ذلك مما يحول بينه وبين عزة النفس، وما يتبعها من قوة الجأش، وأصالة الرأي، والإقدام على إرسال كلمة الحق عندما يقتضيها المقام؛ فيكون ألعوبة بيد معاشريه كالكرة المطروحة يتلقفونه رجلًا رجلًا، أو آلة يستعملونها فيما يشتهون؛ التربية النافعة ما كانت أثرًا لمحبةٍ يطفئ البأسُ شيئًا من حرارتها، وصرامةٍ تلطف الشفقة نبذة من شدتها، وهي التي يستوجب بها الولدان دعاء الولد بقوله: [رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا] الإسراء:24.
ولما كان الابن مثالًا لمن جعل الله عليه كفيلًا، ومظهرًا لآثار تعود على وليه بِكِفْل من أجزائها _ فما بالنا لا نرسم في طباع أبنائنا أشكالًا محمودة، تمثل لمن بعدنا هيئةَ ما كان عليه سلفهم الصالح عِوَضَ أن ننقشها لهم في عَمَدٍ ممددة، أو خشب مسندة.
وخاتمة المقال، أن تعميم التربية بين طبقات الأمة، شيء واجب، لا ينتظم لها العيش الناعم بدونه، ولا تشرق صحائفُ تاريخِها بسواه.
التربية الأخلاقية وأثرها في ارتقاء الأمم (1)
للكاتب علي فكري ــ أمين دار الكتب المصرية
التربية الأخلاقية هي المقياس الصادق الذي تقاس به خطواتُ الشعوب، ونهضات الأمم.
بل هي الأساس المتين الذي تبنى عليه عظمة الأمم وارتقاؤها؛ فما ارتقت أمة في العالم القديم أو الحديث إلا وكان سببُ ذلك سموَّ أخلاقِ أفرادها، وقناعتَهم، واقتصادَهم، وحبَّهم الناسَ محبتَهم أنفسَهم، وإخلاصَهم في العمل لوطنهم، وانتشار روح النشاط والإقدام بينهم، وبعدهم من الفخر والرياء، والدسائس والفتن، ونفورهم من الانقسام والمخاصمة.
(1) مجلة جمعية مكارم الأخلاق، العدد الأول ص10_ 14، رجب 1343هـ.