قال لوثر: ليست سعادة الدول بوفرة إيرادها، ولا بقوة حصونها، ولا بجمال مبانيها، وإنما سعادتها بكثرة المهذبين من أبنائها، وعلى مقدار الرجال ذوي التربية والأخلاق فيها.
وما انحطت أمة، ولا أفل نجم مجدها، ولا زال سلطانها إلا بزوال تلك الأخلاق الفاضلة من نفوس أبنائها، وانغماسهم في الشر والفساد.
والأدلة على ذلك كثيرة؛ انظر إلى الدولة الرومانية القديمة التي أخضعت العالم القديم، وامتدت شوكتها إلى غالب ممالكه _ ترَ أن الأخلاق الكريمة كانت سبب رفعتها، وأن الترف والفساد كانا سبب انحطاطها.
وألقِ معي نظرة أخرى إلى الدولة العربية بعد ظهور الإسلام دين العلم والأخلاق الحسنة ببلاد المشرق وبلاد الأندلس _ ترَ أنها قد بلغت بين الأمم أسمى ما تصبو إليه نفوس الشعوب الناهضة حتى كانت جنةَ هذا العالم وزينةَ الحياة الدنيا، وأضحت واسطةَ عقدِ حضارة العالم، والغرةَ المشرقةَ في جبين الأيام، وكعبةَ طلاب العلوم والآداب؛ فامتد سلطانها، وعلا كعبها، وزها نجمها، وكمل بدرها يوم كانت تنشر ألوية الحضارة على جميع العالم، وتتلو عليه آيات بينات من الهدى والفرقان.
لم تزل الأمة العربية كذلك حتى دبَّ دبيب الفساد الأخلاقي في نفوس أهلها، وتدلَّى إلى الحضيض مترفوها؛ فحقَّت عليهم كلمة ربك [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) ] الإسراء.
حقًّا إن أمراض النفوس لأشدُّ فتكًا بالشعوب، وأسرع إبادة للأمم من أمراض الأجسام، ومن نظر في تاريخ الأمة المصرية قديمًا رأى أن الفضل في تقدمها وعظمتها راجع إلى الأخلاق الكريمة التي كان عليها سلفها.
كتب مسيو بورجيه الذي كان يرافق العالم الأثري شمبليون في سنة 1822 بمصر فيما كتب هذه الكلمة: