الصفحة 304 من 989

أول درس ألقيته (1) للأديب الأستاذ أحمد حسن الزيات

أبدًا لا أنسى تلك الساعة الرهيبة العصيبة التي ألقيت فيه أول درس في أول فصل، كان ذلك منذ سبعة عشر عامًا، والسن حديثَة، والنفس غريرة، والنظر قصير، وكانت المدرسةُ ثانويةً أجنبيةً، تجمع أخلاطًا من الأجناس والأديان، وأنماطًا من الأخلاق والتربية، وكنت قد أدركت قسطًا من العلم النظري على الطريقة الأزهرية، وشدوت طرَفًا من التعليم الفني على الطريقة اللاتينية،إلا أن ما حصَّلت منهما كان لا يزال طافيًا في ذهني، متحيرًا في فكري، لا يطمئن إلى ثقة، ولا يستقر على تجربة، أضف ذلك إلى طبع حيي، ولسان من الخجل عيي، ووجهٍ للقاء الناس هيوب.

قضيت موهنًا من الليل في إعداد الدرس، أراجع مادته، وأرسم خطته، وأسدد خطاه، ثم احتفلت لكلام أقابل به التلاميذ قبل التمهيد للدرس؛ وغدوت إلى المدرسة أقرَعُ باب الأمل المرجو، وأستطلع ضمير الغيب المحجَّب.

دق الجرس؛ فجاوبه قلبي بدقات عنيفة كادت تقطع نياطه، وتشق لفائفه، وقمت أجر رجلي وبجانبي مفتش الكلية جاء يُقَدِّمني إلى الطلبة.

دخلنا الفصل؛ فحيانا التلاميذ بالوقوف، وقال المفتش، فأطال القول، وأجزل الثناء، ثم خَرَج وبقيتُ!!

أقسم لك أني أقول الحق،وإن كنت أجد بشاعة طعمه، ومرارة مذاقه على لساني؛ لقد نظرت إلى التلاميذ نظرةً حائرةً، ثم رجعت إلى نفسي أحاول إخراج ما فيها من الكلام المُهَيأ المحفوظ، فكأن ذاكرتي صحيفة بيضاء، وكأن لساني مُضْغَةٌ جامدة لا تحس.

(1) نشرت في عدد يناير من السنة الأولى من مجلة التربية الحديثة 1928م، وانظر كتاب: في أصول الأدب، لأحمد حسن الزيات ص121_125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت