إن أقدس عمل يصنعه الإنسان في حياته الدنيا هو أن يدرك الحق إدراكًا صحيحًا، وأن يصرح به بلا مواربة ولا خوف، وإن الرجل الذي يستطيع أن يتغلب على كل ما يعترض صحة التفكير من أهواء وخرافات ومنافع ومؤثرات، وأن يكون بعد ذلك مدركًا للحق لا تأخذه في التصريح به لومة لائم ولا مقاومة مقاوم، ثم يضيف إلى هذه المنزلة العالية منزلة تربية هذا الخلق نفوس الناشئة_ فلا شك أن مثل هذا الرجل الشجاع مكتوب في عداد أولياء الحق الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قلت: إن الهوى الناشئ عن المنافع الزائلة والعقائد الباطلة يمنع صحة التفكير، ومن مصائبنا أن بعض الذين سمعوا بأن التعصب لبعض العقائد ينافي الحرية الفكرية تحولوا من التعصب لها إلى التعصب عليها، فبرهنوا على عجز الذين ربوهم عن أن يجعلوهم صحيحي التفكير أولًا وآخرًا.
وكان يجب أن يعتادوا من الصغر على دقة النظر، وأن يمارسوا محاكمة الأمور بالموازنة بين براهينها، والتنقيب عن دواعيها وأسبابها، متجردين عن التعصب لها أوعليها؛ وبذلك تنمو فيهم قوة الاجتهاد والاكتشاف، وترسخ في عقولهم ملكة العدل والإنصاف.
من لي بمن يذكر أساتذة المدارس بما أخذوا على أنفسهم من الواجبات العظمى.
إننا لا نطلب منهم أن يعلموا أولادنا أشياء كثيرة: يكفي أولادنا من مسائل العلم ما يحتاجون إليه في هذه الحياة، أما نحن فقد كان أساتذتنا يعلموننا أشياء لم تلزم لنا حتى الآن، وفاتهم أن يعلمونا أمورًا تلزم لكل إنسان.
صحة التفكير لازمة للموظف، والطبيب، والصانع، والسياسي، والتاجر، وحارث الأرض، وإن طريقة تفكير الإنسان دليل على أخلاق الإنسان، وأخلاق الإنسان هي الإنسان نفسه؛ فهل لأساتذة مدارسنا أن يسهروا لياليهم في التنقيب عن الوسائل التي تزيد رجال مستقبلنا تقدمًا في مواطن الرجولية، وارتفاعًا في مراقي الإنسانية؟.