الصفحة 302 من 989

قد يظن بعض القراء أن صحة التفكير والحكم، وجودة التصور والتصديق، منوطان بموهبة الذكاء. وليس الأمر كذلك، بل هما منوطان بتربية النفس من الصغر على حب الخير والحق، والتجرد عن الشرور والأهواء، والاهتمام بإدراك الأمور من كل وجوهها، وافتداء الصلاح بكل منفعة ذاتية، وربح غير مشروع.

ليس خطأ الناس في التصور والتصديق ناشئًا في كل الأحوال عن أسباب طبيعية كالنقص في المدارك، بل إنهم إذا صوبوا أنظارهم إلى حادثة من الحوادث يحاذرون تمثيلها في أذهانهم بشكلها الحقيقي، ويريدون أن يروها بالصورة التي توافق هوىً في نفوسهم دعت إلى وجوده المنافع الزائلة، أو العقائد الباطلة، أو اللوامع الآفلة.

يا لهذه التربية ما أشد تأثيرها على كل شيء فينا: بها نكون رجالًا صالحين في المجتمع، أو لصوصًا وقَتَََلة ومتشردين، وبها نكون كرام النفوس محبين للإحسان، أو لئامًا وبخلاء ومفسدين.

وبها نكون صحيحي الأجسام نشيطين مرنين،أو ضعافًا وكسولين ومتقاعسين.

حتى أفكارنا وأحكامنا _أيضًا_ قد رفعا للتربية راية الخضوع والتسليم، فإذا تربى الفكر من الصغر على صحة التفكير نشأ صاحبه جيد التصور، سديد الحكم، محبًَّا للحق سواء كان له أوعليه، وإذا كانت الثانية بات الرجل وليس فيه من الرجولية غير اسمها.

ولا غَرْوَ؛ فإن التصور والتصديق شطرا المنطق، ولا يزال الإنسان حيوانًا حتى يتمكن من إزالة سلطان الهوى عن نفسه الناطقة الممتازة بحسن التصور، وصحة التصديق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت