فهرس الكتاب
إن الموانع لكثيرة، وإن العوائق عن الخير لوفيرة؛ وشرّها ما عاق عن العلم والدين، ووقف عثرةً في طريقهما، ولكنها عند الرجال مصاعب سهلة التذليل؛ لأنهم يعتبرونها عوارض تزول، وأحوالًا تتحول؛ فيكون فهمهم لها وتصورهم إياها على حقيقتها أكبر أعوانهم عليها؛ فيلقونها بالهمم النافذة، والتصميم الخارق، والصبر الثابت، حتى تنقشع غماؤها، وتسلم المقاصد الذاتية.
وإذا هاج البحر، وعصفَتْ عواصفه فالغرق عارض، والسلامة هي الأصل، وما على الربّان الحاذق المتأثّر بهذه الحقيقة إلا أن يعالجَ الشدّة بدوائها، فيعالج الفزع بالصبر، والعواصف بحسن التصريف لها، وإلحاح الأمواج بإلحاح العزيمة، فإذا هو ناجٍ سالمٌ محرزٌ لمهجته وسفينته.
ولكن هذا كله كلام لا يجلب المنام، ولا يغني عن الطعام، ولا يكسو العظام، ولا ينعل الأقدام.
والحقيقة التي تجب مواجهتها كفاحًا، هي أن الأزمة خانقة، وأسعار الضروريات والحاجيات كسعود الأقوياء كل يوم في ارتفاع، ووجه المستقبل يطلّ من خلل الأيام كالحًا باسرًا ينذر بالسوأى وزيادة، وأصوات العمّال الكادحين، وأُجَراءُ المشاهرة والمياومة تصمّ الآذان بطلب الزيادة في الأجور؛ لأن الزيت _وهو الإدام_ أصبح بقيمته شجًى في الحلوق، ولأن الثياب الساترة أصبحت بسبب الغلاء فاضحة، ولأن ورقة (الألف) بورك فيها فأصبحت (كالشين) في حساب الجُمَّل (1) في (الجزم الصغير) عند (اليقَّاشين) (2) ...
(1) الشين في ذلك الحساب يحسب بألف في اصطلاح المغاربة، ولكن ألفه كألف الفرق بعد واو الجماعة لا يساوي شيئًا.
(2) اليقّاشين: الذين يكتبون التمائِم. واليَقْشَة: حِرْفَتُهم.