الصفحة 312 من 989

وهذه الطائفة المجاهدة الصابرة عندنا تتوقّع الموت، ولا ترفع الصوت، ولا مرجع لها _ بعد الله _ إلا جمعية العلماء التي حبّبت إليها التعليم، وزيّنته في قلوبها، ثم ساقتها إلى ميادينه، وجنَّدتها في كتائبه؛ فإذا لم تبذلْ كل مجهود في تخفيف البلاء وتهوين الغلاء عليهم بالزيادة في المرتبات _ فإن العاقبة تكون وخيمة.

وإذا كنا لا نخشى أن يفرّوا من الزحفْ؛ ثقةً بهم، واعتمادًا على متانة دينهم، وصدق وطنيّتهم، وركونًا إلى شهامتهم واعتزازًا بمهنتهم _ فإننا نخشى ما هو أسوأ عاقبةً من ذلك؛ نخشى أن يعلموا أبناءنا بلا قلوب ولا عقول في وقت نحن أحوج ما نكون إلى صلة القلوب بالقلوب، وتأثر العقول بالعقول، واستقاء الأرواح من الأرواح؛ فإذا حصل ذلك جاء التعليم وفيه أثرُ الجوع والهزال، وعليه سيما الفقر والخصاصة، ويأتي هذا الجيل وعلى عقله من هذه الآثار ما على أجسام مواليد الحرب التي نشأتْ في فقر من المواد المغذية.

وإذا كنتم تسمعون عن الأمم الحية أنها توفّر أرزاقَ القضاة حتى لا تلجئهم مطالبُ الحياة إلى الرشوة فكذلك يجب توفير أرزاق المعلّمين حتى لا تطمحَ نفوسهم إلى هجر التعليم.

أما والله لو استطعتُ لأعطيتُ المعلّم جمًّا، ثم لأوسعت العطاء ذمًَّا، حتى تقوى فيه نزعة الكرامة وشرف العلم، والشعور بأن العلم كالعبادة، وكفاؤه الأجرُ من الله لا الأجرةُ من المخلوق، ولكن التمنّي تعلّق بالخيال...

هذا نذير من النذر الأولى لرجالنا القائمين على المدارس، والحاملين معنا للعبء المادي؛ فعليهم أن يقدُروا قدرَه، ويفكّروا في مغزاه، ويتعاونوا على إيجاد موارد جديدة؛ ليتوفّر لنا مالٌ نرفع به مرتبات المعلّمين، ونرفع به أقدار العلم والتعليم.

وإن هذه الأزمة إلى انفراج؛ فليثبتوا لها، وليكسروا حدّتها بالتدبير الذي يفل الحدّة، ويخفّف الشدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت