فهرس الكتاب
الغاية من هذه المدرسة هي تربية هذا الجيل وتعليمه.
وغاية الغايات من التربية هي توحيدُ النشء الجديد في أفكاره ومشاربه، وضبطُ نوازعه المضطربه، وتصحيح نظراته إلى الحياة، ونقله من ذلك المُضْطَرَب الفكري الضيق الذي وضعه فيه مجتمعه، إلى مضطرَب أوسع منه دائرة، وأرحب أفقًا، وأصح أساسًا؛ فإذا تمَّ ذلك، وانتهى إلى مداه طمعنا أن تخرِّج لنا المدرسة جيلًا متلائمَ الأذواق، متَّحدَ المشارب، مضبوط النزعات، ينظر إلى الحياة _ كما هي _ نظرةً واحدة، ويسعى في طلبها بإرادة متحدة، يعمل لمصلحة الدين والوطن بقوة واحدة، في اتجاه واحد.
غاية التعليم هي تفقيهه في دينه ولغته، وتعريفه بنفسه بمعرفة تاريخه.
تلك الأصول التي جهلها آباؤه فَشَقُوا بجهلها، وأصبحوا غرباء في العالم، مقطوعين عنه، لم يعرفوا أنفسهم؛ فلم يعرفهم أحد.
فهذه هي الغاية السامية التي في تحقيقها نجهد ونكدح، وللوصول إليها نعمل، وفي العمل لها نلقى الأذى، وفي الأذى فيها نلقى راحة الضمير واطمئنان النفس، وببلوغها _ إن شاء الله _ نكون قد أدَّينا الأمانة، وقضينا المناسك، وكفَّرنا عن جريمة التقصير، وفزنا بالعاقبة؛ فحمدنا السرى.
وبماذا يتم تمامُ هذه الغاية؟
لا يتم هذا على وجهه المثمر إلا بتوحيد منهاج التربية، وبرنامج التعليم، ولا يتم توحيد المنهاج والبرنامج إلا بتوحيد الإدارة، ولا يتم توحيد الإدارة إلا بتوحيد الإشراف العام، درجات متلازمة سبقتنا بها الأمم التي بنتْ حياتها على تجربة النافع والأخذ بالأنفع، فقطعت الأشواط البعيدة في الزمن القريب.
وهذه هي المعاني التي دعتنا إلى جمع المدارس العربية تحت إدارة واحدة، وإشراف واحد، وإلى حشر المعلمين تحت لواء واحد؛ لِعِلمنا أن توحيد الغايات لا يأتي إلا بتوحيد الوسائل.