فهرس الكتاب
15_ صدق اللهجة: للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين
16_ من أخلاقنا: للشيخ علي الطنطاوي
17_ إشاعة السوء وموقف الإسلام منها: للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين
18_ البخيل: للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي
19_ الآداب العامة: للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي
ثبات الأخلاق (1) للأديب مصطفى صادق الرافعي (2)
لو أنني سُئلتُ أن أُجمل فلسفةَ الدينِ الإسلامي كلَّها في لفظين، لقلُت: إنها ثباتُ الأخلاق، ولو سُئلَ أكبرُ فلاسفةِ الدنيا أن يُوجزَ علاجَ الإنسانية كلَّه في حرفين، لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق، ولو اجتمع كلُّ علماء أوربا ليدرسوا المدنية الأوربية ويحصُرُوا ما يُعْوِزُها في كلمتين لقالوا: ثباتُ الأخلاق.
فليس ينتظر العالمُ أنبياءَ ولا فلاسفةَ ولا مصلحين ولا علماء يُبدعون له بِدْعًا جديدًا، وإنما هو يترقَّب من يستطيع أن يفسِّر له الإسلام هذا التفسير، ويُثبتُ للدنيا أنَّ كلَّ العبادات الإسلامية هي وسائلُ عمليَّةٌ تمنع الأخلاقَ الإنسانية أن تتبدَّلَ في الحيّ، فيخلعَ، منها ويلبس، إذا تبدَّلتْ أحوالُ الحياة فصعِدتْ بإنسانها أو نزلت، وأن الإسلام يأبى على كلِّ مسلم أن يكون إنسانَ حالتِه التي هو فيها من الثروة أو العلوم، ومن الارتفاع أو الضَّعة، ومن خمولِ المنزلة أو نباهتِها، ويوجبُ على كلِّ مسلم أن يكون إنسانَ الدرجة التي انتهى إليها الكون في سموِّه وكماله، وفي تقلُّبه على منازله بعد أن صُفِّيَ في شريعةٍ بعد شريعة، وتجربة بعد تجربة، وعلم بعد علم.
انتهت المدنيَّةُ إلى تبدُّل الأخلاق بتبدُّلِ أحوال الحياة، فمن كان تقيًّا على الفقر والإملاق وحَرَمه الإعسارُ فنونَ اللذة، ثم أيسرَ من بعدُ _ جَاْزَ لَهُ أن يكونَ فاجرًا على الغِنى وأن يتسمَّحَ لفجوره على مدِّ ما يتطوَّحُ به المال، وإن أصبح في كلِّ دينار من ماله شقاءُ نفسٍ، إنسانيةٍ، أو فسادُها.
(1) وحي القلم 2/73.
(2) سبقت في المجموعة الأولى ترجمة له.