الصفحة 319 من 989

ومن وُلدَ في بطن كوخ، أو على ظهر الطريق وجبَ أن يبقى أرضًا إنسانية، كأن الله _سبحانه_ لم يَبْنِ من عظامه ولحمِه وأعصابه إلا خَرِبةً آدميةً من غير هندسةٍ ولا نظام ولا فن، ثم يقابله مَن وُلِدَ في القصر أو شِبهِ القصر فله حكم آخر، كأن الله _ سبحانه _ قد ركَّبَ من عظمه ودمه وتكوينه آيةً هندسيةً، وأعجوبةَ فنٍّ، وطُرْفةَ تدبير، وشيئًا مع شيء، وطبقةً على طبقة.

ولكن الإسلامَ يقرر ثباتَ الخلُق، ويُوجبه، ويُنشئ النفسَ عليه، ويجعله في حِياطة المجتمع وحراسته؛ لأنَّ هنالك حدودًا في الإنسانية تتميز بحدود في الحياة، ولابد من الضبط في هذه وهذه، حتى لا يكونَ وضْعٌ إلا وراءَه تقدير، ولا تقديرٌ إلا معه حكمة، ولا حكمةٌ إلا فيها مصلحة، وحتى لا تعلوَ الحياةُ ولا تنزلَ إلا بمثل ما ترى من كفَّتيْ ميزان شدَّتا في عَلاَقَة تجمعهما وتحرِّكهما معًا؛ فهي بذاتها هي التي تنزلُ بالمنازل (1) لتدلَّ عليه، وتَشِيْلُ بالعالي لتبين عنه؛ فالإسلامُ من المدنية هو مدنية هذه المدنية.

إنها لن تتغيَّر مادةُ العظمِ واللحمِ والدمِ في الإنسان، فهي ثابتةٌ مقدَّرةٌ عليه، ولن تتبدَّلَ السُّننُ الإلهيةُ التي تُوجدها وتُفنيها؛ فهي مُصرِّفة لها قاضيةٌ عليها، وبين عمل هذه المادة وعملِ قانونِها فيها تكونُ أسرارُ التكوين، وفي هذه الأسرارِ تجد تاريخَ الإنسانية كلَّه سابحًا في الدم.

هي الغرائز تعمل في الإنسانية عملَها الإلهي، وهي محدَّدةٌ محكمة على ما يكونُ من تعاديها واختلافِ بينها، وكأنها خُلقتْ بمجموعها لمجموعها، ومن ثَمَّ يكون الخُلق الصحيح في معناه قانونًا إلهيًّا على قوَّةٍ كقوَّةِ الكونِ وضبطٍ كضبطه.

(1) لعلها: بالنازل (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت