فهرس الكتاب
والإلحادُ، والنزعاتُ السافلة، وتخانيثُ المدنية الأوربية التي لا عملَ لها إلا أن تُظهِرَ الخطرَ في أجمل أشكاله، ثم الجهل بعلوم القوة الحديثة، وبأصول التدبير وحياطة الاجتماع وما جرى هذا المجرى، ثم التدليسُ على الأمة بآراء المقلِّدين والزائفين والمستعمرين لمحْقِ الأخلاق الشعبية القوية وما اتصل بذلك، ثم التخاذلُ والشقاقُ وتدابُرُ الطوائف وما كان بسبيلها _ تلك هي المعاولُ الأربعةُ التي لا يهدمُ غيرُها بناءَ الشرق.
فليكن دائمًا شعارُنا نحن الشرقيين هذه الكلمة: أخلاقُنا قبل مدنيَّتِهم.
سجايا العرب في التراث الإسلامي (1) للعلامة محب الدين الخطيب
إنما كانت الفضائل فضائل بالعمل بها لا بالعلم بها، وماذا يفيد العلم بأن الصدق خير إذا لم يعمل به؟ وماذا يفيد التحدث عن فضيلة الإيثارِ وامتداحُها والحضُّ عليها من أعلى المنابر وأفخمها إذا لم تكن هذه الفضيلة مما يتبارى فيه مادحُها والممدوحةُ له؟.
وأقدرُ أمم الأرض على العمل بالفضائل الأمة التي تعمل بها عن سجية متوارثة، لا عن تكلف وتظاهر وتقليد، وقديمًا كانت العرب تقول:
ومن يبتدعْ خُلْقًا سوى خُلْق نفسه ... يَدَعْهُ وترجعْه إليه الرواجع
وإنما استطاع الإسلام أن يثب وثبته الأولى التي لا يزال المؤرخون حائرين في تعليلها، ويعدونها من معجزات التاريخ؛ إذ لم ير التاريخ نظيرًا لها فيما تقدمها ولا فيما جاء بعدها _ لأن الله _عز وجل_ اختار لحمل رسالة الإسلام أمة يُعدُّ الكثيرُ من فضائل الإسلام في جملة سجاياها المتوارثة، وأخلاقها التي طبعت عليها.
وقد جاء الإسلام لينظم هذه الفضائل، وليركز توجيهها إلى الخير، فيبعث فيها نورًا خالدًا، وخيرًا باقيًا إلى أن تشيع معانيها في الأمم الأخرى؛ فتدخل الإنسانية في طور السعادة التي تنشدها ولا تجدها.
وإنما كانت لا تجدها؛ لأنها لا تريد أن تسلك إليها طريقها الذي لا طريق إلى السعادة سواه.
(1) مع الرعيل الأول ص262 _ 268.