فهرس الكتاب
من هذه الفضائل فضيلة الإيثار، وهي فضيلة تتحدث عنها الأمم جميعًا في كتب الأخلاق والفضائل، وتعدها من صفات الإنسانية الممتازة.
ولكنها قَلَّما تستطيع أن تضرب الأمثال العملية والتاريخية على الاتصاف بها إلا في توافه الأمور.
أما في المواقف الجُلَّى، وعندما يتناول الإيثار أفضل ما في الحياة _ولو كان الحياة نفسها_ فقلما نجد التاريخ يتحدث عن ذلك إلا بلغة العرب، في تاريخ العرب، عن رجال العرب الذين اختارهم الله لحمل أمانة الإسلام، والتبشير برسالته.
كان فتيان من فتيان بني إياد قد خرجوا من منازلهم في شواطئ نهر سنداد بعد لصاف، وشرْج، وناظرة وراء نجران الكوفة، وعلى رأسهم الفتى كعب ابن سيدهم وأميرهم مامة بن عمرو بن ثعلبة بن سلولة بن شبابة الإيادي.
والظاهر أنهم أوغلوا في البادية؛ فضلوا الطريق، ولم يكن معهم إلا بعض الماء، فلما أشرفوا على الهلاك، نزلوا، فجمعوا ما في أسقيتهم من الماء.
واقتسموه على السوية؛ لئلا يكون مع أحدٍ منهم أقلُّ من الذي مع غيره.
وفيما هم سائرون يلتمسون الطريق شَرِبَ الفتيانُ نصيبهم من الماء، واستبقى رئيسهم كعب بن مامة نصيبه لساعة الشدة.
ولما حانت تلك الساعة العصيبة لقيهم أعرابي من بني النمر بن قاسط، فصحبهم، وكان النمريُّ قد اشتد به الظمأ يومه ذاك؛ فجعل ينظر إلى سقاء الأمير الشاب وفيه تلك البقية من الماء التي تتوقف عليها حياة مَنْ يَتَبَلَّغ بها، فلحظه كعب، وأدرك أن موقفه من هذا النمري هو الموقف الذي اعتاد العربي أن يشتري فيه فضيلةَ الإيثار ولو بالحياة كلها، حتى لو كانت حياةَ أمير نبيل، وصاحب شرف أثيل؛ لأنه الموقف الذي يبرهن فيه العربي على كريم معدنه وأصالة شرفه؛ فآثر كعب بن مامة ضيفه النمري ببقية الماء التي لم يبق غيرها مع القوم جميعًا في تلك المفازة، ورضيَ لنفسه أن يواجه الموت ظمأً.
ومثل هذه الحادثة الخلقية يرى فيها العربي معنيين من معاني حياته الاجتماعية: