فهرس الكتاب
أحدهما: معنى الإيثار الذي ندير الكلام حوله، وهو يكون بين العربي وصاحبه كائنًا من كان.
والمعنى الآخر: معنى الضيافة للنازل الطارئ _ كهذا الرجل النمري الذي لقي الشبان الإياديين في الطريق ولم يكن معهم من قبل _.
وإمدادُ الضيف بما يحتاج إليه _ ولا سيما الغذاءَ والماءَ _ يعد في دستور العرب حقًَّا لا كرمًا.
ولما طال الأمر على الإياديين وهم يسيرون في طلب الماء اشتد الظمأ على كعب، وَشعُر بأنه لم تبق معه قوةٌ على السير معهم؛ فجعل أصحابه يعللونه بالأمل، ويقولون له: يا كعب،هذا الماء قريب منا، وسَنَرِدُ عليه عن قليل.
لكنه قد بلغ من الإعياء كل مبلغ؛ فمات عطشًا، فلما وصلوا إلى قصر أبيه على شاطئ سنداد أخبروه بما كان منه، وبإيثاره النمريَّ على نفسه بما بقي معه من الماء، فقال أبوه يرثيه:
أوفى على الماء كعبٌ ثم قيل له: ... رِدْ كَعْب، إنك ورَّادٌ، فما وردا
ما كان أسقى لنا جود على ظمأ
... خمرًا بماء إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعبٍ ثم عيَّ به ... زوُّ المنية إلا حرة وقدا
وبعد عشرات من السنين كثيرة مرَّ خليفة الإسلام الأعظم عمر بن عبدالعزيز بن مروان على هذه البقاع التي تداول الحكم والسيادة فيها قبل الإسلام أمراءُ إيادٍ وملوكُ غسان من آل جفنة، والمناذرة من بني لخم بن عدي، فأنشده مولاه مزاحم قول الأسود بن يعفر النهشلي يصفها:
ومن الحوادث لا أبا لك أنني
... ضُربت عليَّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لمدفع تلعة
... بين العراق وبين أرض مراد
ماذا أؤمل بعد آل محرق
... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسدير وبارق
... والقصر ذي الشرفات من سنداد
حلوا بأنقرةٍ يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
أرض تخيَّرها لطيب مقيلها ... كعبُ بن مامةَ وابنُ أمِّ دؤاد
جرت الرياح على عراص ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
ولقد غَنَوْا فيها بأفضل عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد