الصفحة 328 من 989

فأرى النعيم وكلَّ ما يَلهى به ... يومًا يصير إلى بلىً ونفادِ

وعلى ذكر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز نقول: إن العارفين بمعنى الزهد على حقيقته كانوا إذا وصفوا أهله قالوا: ليس الزهد أن يكون المرء فقيرًا محرومًا فيزعم أنه زاهد، ولكن الزهد أن يملك الرجل أقطار الأرض المعمورة في آسيا وأفريقية إلى أقصى بلاد أسبانيا والبرتغال من أوربا، ثم يزهد بكل ما تحت يده من نعيمها ومتعتها، كما فعل سيد الأرض وملك الشرق والمغرب عمر ابن عبدالعزيز، ولا يكتفي عظيم الدنيا بهذا بل يسترضي زوجته فاطمة بنت عبدالملك بن مروان وكان أمير المؤمنين، وأخت هشام والوليد وسليمان ويزيد وكانوا كلهم أمراء المؤمنين، فيأخذ منها حليها التي كانت من أثمن ما يتوارثه الملوك، ويردها إلى بيت مال المسلمين؛ إيثارًا منه لإخوانه في الدين على نفسه وزوجه وولده، وزهدًا منه في حطام الدنيا وألاعيبها الصبيانية، ويعيش في بيته مع أسرته _ وهو خليفة الأرض _ عيشَة الشَّظَف والزهد والقناعة بأقل ما تقوم به الحياة.

وإنما استطاع عمر بن عبدالعزيز بن مروان أن يفعل هذا بفضيلة الإيثار التي آمن بها في جملة ما آمن به من فضائل الإسلام، وكان لهذه الفضيلة في مجرى الدماء من شرايينه ميراثٌ معدودٌ من سجايا العرب؛ فاستطاع _بما جمع من إيمان دينه إلى سجايا أصله_ أن يضرب للدنيا مثلًا في الزهد والإيثار قلما يستطيع أن يضربه للناس أحد ممن بلغ مبلغه في سعة الملك وقدرة التصرف بأكثر ما على وجه الأرض من ثروة ومتعة ونعيم، ولذلك قال فيه جرير:

أقول إذا أتينَ على قرورى ... وآل البيد يطَّرد اطِّرادا

عليكم ذا الندى عمر بن ليلى (1) ... جوادًا سابقًا ورث الجيادا

إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى ... ومروان الذي رفع العمادا

تزوَّدْ مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا

(1) ليلى: هي أم عمر بن عبدالعزيز، وهي أم عاصم بنت عاصم بن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت