الصفحة 329 من 989

فما كعب بن مامة وابن سعدى (1) ... بأجود منك يا عمر الجوادا

وأنت ابن الخضارم (2) من قريش ... هم نصروا النبوة والجهادا

وقادوا المؤمنين ولم تعوَّدْ ... غداة الروع خيلهم القيادا

إذا فاضلت مدك من قريش ... بحور عمّ زاخرها الثمادا

فأنت ترى أن سجية الإيثار والتضحية بالنفائس سجيةٌ جبل عليها العربي منذ كان ابن الصحاري والأودية والجبال، فتجلت في تصرُّف الأمير كعب ابن مامة الإيادي عندما آثر على نفسه ذلك الأعرابي من بني النمر بن قاسط بالماء، بل بالحياة.

ثم هذَّب الإسلام هذه السجيَّة الممتازة، ونظمها، وركز توجيهها إلى الخير الأعلى؛ فتجلت في تصرف سيد آخر من سادات العرب المتشبعين بالإسلام إلى أقصى مداه، وهو أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم الأموي، فضرب للتاريخ مثلًا لمن يحوز الدنيا بحذافيرها، ويقبض عليها بجميع ما في يد العربي القوي من أعصاب متينة، ويزهد _ مع ذلك _ بجميع ما استحوذ عليه من متع الدنيا ونعيمها.

وروى رجال دولته _ أمثال المهاجر بن يزيد ومحمد بن قيس _ أن فقراء البيوت المستورة الذين كانت تصرف لهم الصدقات من بيت مال المسلمين أَثْرَوا (3) في عهده، فصاروا هم يدفعون الزكاة عن أموالهم لبيت المال، وراح المزكون يبحثون عمن يستحق الزكاة؛ ليدفعوا إليه زكاتهم فلا يجدونه.

روى أبو محمد عبدالله بن الحكم المصري _ 150_214هـ _ عن يحيى بن سعيد قال: بعثني عمر بن عبدالعزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد فقيرًا، ولم نجد من يأخذها مني، قد أغنى عمر ابن عبدالعزيز الناس، فاشتريت بها رقابًا، فأعتقتهم، وولاؤهم للمسلمين.

(1) ابن سعدى: هو أوس بن حارثة بن لأم الطائي، وهو ممن يضرب به المثل في الإيثار (م) .

(2) الخضارم: جمع خِضْرم، وهو الكبير العطية، الحمول للعظائم (م) .

(3) يعني صاروا أثرياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت