الصفحة 330 من 989

هذا وعمر نفسه _ وهو أمير المؤمنين _ لم يكن له في بيته غير الثوب الذي على بدنه، فإذا أراد غسله انتظر حتى يجف، فيعود إلى لبسه، ويخرج به إلى الناس.

وروى معاصرُه سعيدُ بنُ سويد أن رجلًا من القوم لم يطق الصبر على هذا الحال فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعطاك، فلو لبست وصنعت!...

فنكس عمر رأسه مليًَّا حتى عرفنا أن ذلك قد أساءه، ثم رفع رأسه وقال: =إن أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة+.

وزوجته السَّرِيَّةُ النبيلةُ التي كانت زوجة خليفة، وبنت خليفة، وأخت أربعة من الخلفاء، كانت راضية بعيشة الشظف مع زوجها بطيب نفس وعظيم اطمئنان؛ لأنها هي _أيضًا_ تنزع بِعِرْقٍ شريف إلى ذلك الأصل العظيم الذي كان الإيثار سجية فيهم زادها الإسلام تهذيبًا.

وقد حدّثْتك بأن حُلِيَّها الثمينةَ النادرَة التي جاءت بها من بيت أبيها أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان جرَّدها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من يديها وعنقها وأذنيها برضىً منها، ووضعها في بيت مال المسلمين؛ فلما كان بعد زمن طويل من وفاة زوجها عمر بن عبدالعزيز بن مروان وولاية أخيها الثالث يزيد ابن عبدالملك بن مروان قال لها أخوها الخليفة: إن حُليَّك الذي وضعت في بيت المال هي من مالك الحلال، ولا تزال محفوظة بعينها كما كانت، فهل تحبين أن أردها عليك؟

فأجابته: =إن أمير المؤمنين عمر قد استحسن أن تكون هذه الأشياء حيث هي الآن، وأنا قد وافقته على ما استحسن، وما كنت لأطيعه حيًَّا وأعصيه ميتًا+.

قالت هذا وهي وأولادها وبناتها أحوج الناس إلى هذه الحلي؛ لأن ما كان يملكه عمر بن عبد العزيز من ضياع وأملاك رده على بيت المال في الأسبوع الأول من خلافته، ومزَّق حجج ملكيته وهو على منبر مسجد بني أمية بدمشق على ملأ من ألوف الأعيان والأمراء ووجهاء الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت