فهرس الكتاب
وأرادت زوجته من بعده أن لا تكون أقل منه إيثارًا وتضحية، فاختارت أن تبقي عنقها وأذناها ويداها عاطلة من تلك الحلي والحلال، ولو كانت أخت الخليفة يزيد بن عبدالملك.
الوفاء في العربي (1) لفضيلة الأستاذ محمد الطيب حسن النجار
امتازت الأمة العربية من بين سائر الأمم بكثير من الفضائل قلَّما نجد من يتصف بشيء منها في أمة سواها، خصوصًا في هذا العصر الذي قام فيه معظم الناس على قدم وساق يحاربون الفضيلة، ويعملون على إزهاقها، ويسعون إلى إفناء معالمها وتعاليمها حتى تدهورت الأخلاق، وانحطت الآداب، وانتشر الفسق والفجور بين الناس، وانصرف المسلمون عن دينهم القويم الحنيف، وعن اتباع آدابه إلى تلك التُّرَّهات الكاذبة، والخزعبلات المزرية التي تتنافى مع أوامر الدين، ولا تتمشى مع ما جاء فيه، والتي يأباها العقل الصحيح، وتنفر منها النفوس العالية الكبيرة.
وأجل ما اختصت به الأمة العربية من الفضائل الوفاء الخلةُ الشريفة التي لم تجد جوًَّا صالحًا لخروجها، ولا مناخًا ملائمًا لها غير تلك الصحراء المقفرة المجدبة، فنبتت بين الرمال، وغذَّاها العربي بدمه وماله حتى نمت، وترعرعت، وأرسلت عليهم ظلَّها الوارف الظليل.
وليس في هذا ما يدعو إلى الشدة أو يثير التعجب والاستغراب؛ فالعربي الذي يقضي جُلَّ أوقاته وحياته بين سفر وانتقال، وبين ظعن وترحال، والذي كثيرًا ما تُعْوِزه الظروفُ، وتلجئه الضرورة إلى أن يتخذ طريقه وسط تلك الصحراء في جوف الليل البهيم وحيدًا لا يأنس لمخلوق سوى ناقته، ولا يأنس إليه مخلوق سوى ناقته، هذا العربي بلا شك أحوج الناس إلى رجل وفيٍّ ينصره وقت الشدة، ويعينه إذا حَزَب الأمر، ويستجيب لدعائه حينما يستصرخه، ويلجأ إليه.
(1) مجلة الهداية الإسلامية، الجزء الثاني، المجلد السابع، ص 103_ 107، شعبان 1353هـ.