فهرس الكتاب
والعرب الذين لم تكن لهم قدم راسخة في المدنية، ولم يكن لهم حتى بعثة النبي"دستور يكفل لهم النظام، ويبين لهم الحلال من الحرام _ هم بلا شك أحوج الناس إلى أن يسود الوفاء بينهم، وينتشر لواؤه عليهم."
ولولا أن الله يسر هذا الخلق لتعطلت المتاجر، ووقف دولاب العمل، وتغلَّب القويُّ على الضعيف، وكثر العداء والجفاء، واشتعلت نيران الثورات والحروب؛ فما هي إلا أيام أو أعوام حتى تنقرض الأمة، وتخرب البلاد؛ فالوفاء هو الحجر الأساسي في بناء مستقبلهم، والمحور الوطيد الذي تدور عليه رحا عزِّهم وسعادتهم؛ لذلك كان العرب يَقْدُرون تلك الصفة حقَّ قدرها، ويرفعون مِنْ شَأْنِ مَنْ يشتهر بها، حتى كانوا يضربون بهم الأمثال، ويلهجون بذكرهم في الأندية والمجتمعات، ويترنمون بمدحهم والثناء عليهم في كل وقت وحين.
بل كانوا يترسمون طريقهم، ويدأبون في سبيلهم، وينقادون لأوامرهم انقياد العبد للسيد، والمرؤوس للرئيس.
وممن اشتهر بينهم بالوفاء السموأل بن عادياء، وكان من وفائه أن امرأ القيس ابن حجر لما أراد الخروج إلى قيصر استودع السموأل دروعًا له، فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام، فتحرز منه السموأل؛ فأخذ الملك ابنًا له خارج الحصن، وصاح يا سموأل هذا ابنك في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي، وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إليَّ الدروع وإلا ذبحت ابنك.
فقال السموأل: أَجِّلْني، فأجله، فجمع أهل بيته فشاورهم، فكلهم أشاروا بدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف عليه، وقال: ليس لي إلى دفع الدروع سبيل، فاصنع ما أنت صانع!
فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه وكان يهوديًَّا، وانصرف الملك، ووافى السموأل بالدروع الموسم، فدفعها إلى ورثة امرئ القيس، وقال في ذلك:
وفيت بأدرع الكنديِّ أني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وقالوا عنده كنز رهيب ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت
بنى لي عاديًا حصنًا حصينًا ... وبئرًا كلما شئت استقيت