الصفحة 333 من 989

فانظر كيف فرط، وتهاون في فلذة كبده، ومهجة قلبه، وتركه لذلك الملك الجائر الجبَّار حتى فجعه فيه، وذبحه أمامه، ولم يفرط أو يتهاون في هذه الدروع.!!

فلا عجب إذ طار صيته في كل فجٍّ وحدب، ولا عجب إذ كانوا يضربون به المثل فيقولون: أوفى من السموأل بن عادياء، وفي ذلك يقول الأعشى:

كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرَّار

بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدَّار

خَيَّرهُ خطتي خسفٍ فقال له ... مهما تَقولَنْ فإني سامع حار

فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار

فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري

ومنهم الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من وفائه أن النعمان ركب في يوم بؤسه _ وكان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم لم يلقه أحد في يوم بؤسه إلا قتله، ولا في يوم نعيمه إلا استبقى حياته وحباه وأعطاه_ فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء فقال: حيا الله الملك إن لي صبية صغارًا لم أوص بهم أحدًا فإن رأى الملك أن يأذن لي في إتيانهم، وأعطيه عهد الله أن أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع يدي في يده، فرقَّ له النعمان، وقال له: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن لم تأت قتلناه، وكان مع النعمان شريك بن عمرو بن شراحيل فنظر إليه الطائي، وقال:

يا شريك بن عمرو ... هل من الموت محاله

يا أخا كل مضاف ... يا أخا من لا أخا له

يا أخا النعمان فكَّ اليـ ... ـوم عن شيخ غلاله

ابن شيبان قبيل ... أصلح الله فعاله

فقال شريك: هو عليَّ أصلح الله الملك؛ فمضى الطائي وأجَّلَ له أجلًا يأتي فيه.

فلما كان ذلك اليوم أحضر النعمان شريكًا، وجعل يقول له: إن صدر هذا اليوم قد ولَّى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت