فهرس الكتاب
وشريك يقول: ليس لك عليَّ سبيل حتى نمسي، فلما أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك، فقال شريك: ليس لك عليَّ سبيل حتى يدنو الشخص، فلعله صاحبي، فبينما هما كذلك إذ أقبل الطائي، فقال النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما، وما أدري أيكما أكرم أهذا الذي ضمنك وهو الموت أم أنت وقد رجعت إلى القتل؟! والله لا أكون ألأم الثلاثة ثم أطلقه وأمر برفع يوم بؤسه.
وأنشد الطائي:
ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهم الأقوال
إني امرؤ مني الوفاء سجية ... وفعال كل مهذَّب مبذال
قال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني، قال: وما دينك؟ قال: النصرانية، قال: اعرضها عليَّ، فعرضها عليه؛ فتنصر النعمان.
وقد افتخر النعمان بن المنذر بالعرب أمام كسرى ملك الفرس، وميزهم على غيرهم من الأمم، وامتدحهم بكثير من الفضائل وكان منها الوفاء، فقال: وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة فهي وَلْتٌ (1) وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه فلا يغلق (2) رهنه، ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيًا عن داره فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المُحْدِث من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.. !!
والحق أن النعمان لم يكن مغاليًا في كلامه، ولم يصف العرب بشيء ليس فيهم؛ فقد روي عن حاتم الطائي أنه خرج في الشهر الحرام في حاجة له فلما كان بأرض (عنزة) استجار به أسير وناداه يا أبا سفانة أهلكني الأسار، فقال: ويلك قد ظلمتني بتنويهك باسمي في غير بلاد قومي، ثم اشتراه من بني عنزة، وأقام في القيد مكان الأسير حتى فدى نفسه فأطلقوه.
(1) عهد.
(2) غَلَقَ الرهن: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط.