الصفحة 335 من 989

وتلك لعمري مكرمة يتضاءل دونها كل مدح وثناء؛ فأين من هذه النفوس نفوس تفرُّ من المكارم، وتنفر من الفضائل والمحامد، بل تعمل على محاربتها، وتسعى في تقويض دعائمها؟.

وأين من أولئك الأقوام أناس يتظاهرون لغيرهم بالحب والوفاء، ويغرونهم بابتسامات صفراء ومجاملات زائفة، يخفون بها دخيلتهم وما تنطوي عليه نفوسهم، ويتخذون من ذلك ستارًا يعملون من ورائه على الكيد لهم حتى إذا ما حانت لهم الفرصة، وأمكنتهم المقادير أعملوا فيهم سيوف غدرهم، ومعاول خيانتهم لا يرقبون في ذلك إلاًّ ولا ذمة، ولا يرعون حرمة لعهد أو ميثاق..؟!

التضحية (1) للأستاذ أحمد أمين

لعل من أهم الفروق بين أمة راقية، وأمة غير راقية، أنَّ أفراد الأولى يشيع بينهم العمل لأنفسهم ولغيرهم، وأنَّ أفراد الثانية لا يعملون إلاَّ لأنفسهم.

هاهو الجو حولنا مشبع بالأنانية إلى أقصى حد، هذا موظف كل همه أن يرضى رؤساه في الحدود الضيقة؛ لينال درجة، ولا يهمه بعد ذلك قُضِيَت مصالح الناس أو لم تقض، وهذا موظف آخر لم يُمْنح من المرتب ما يشتهي؛ فهو يضن بمقدرته وكفايته على الناس، وكل ما يعمل أن يؤدي الأعمال الآلية التي تنجيه من العقوبة ومن التبعية القانونية، فهو يحضر في الميعاد، وينصرف في الميعاد، ثم لا روح في عمله، ولا شعور بواجبه.

وهذا غني لا ينظر في تصرفاته إلاَّ إلى شخصه مهما شقي الناس من حوله.

وهذا مزارع من كبار المزارعين لا ينظر في مشروع القطن والقمح إلاَّ بمقدار ما يحتمل أن يدخل جيوبه من مال، مهما جاعت الأمة، وعَدِمَت القوت.

وهذا ثري ذو جاه يستعمل جاهه ونفوذه في الهرب من ضريبة واجبة عليه، أو يتحايل في تخفيضها إلى أقصى حد ممكن؛ فتكون النتيجة أن يدفع الضريبة كاملة غير القادر، ويهرب منها، أو ينقص منها القادر .

(1) فيض الخاطر 3/ 232 _ 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت