الصفحة 336 من 989

وهذه هي الروح الشائعة التي نراها في البيت، وفي الشارع وفي المصلحة، وفي البيع والشراء، والأخذ والعطاء، أنانية مسرفة، في حدود ضيقة، لا ينظر منها الإنسان إلى نفسه، وإلى نفسه فقط، يدور في خلده أن ينهب من اللذائذ ما استطاع قبل فوات الوقت، ويهرب من الواجبات ما استطاع مع المحافظة على الشكل، حتى لا يقع في يد القانون، يردد قول أبي فراس: إذا مت ظمأنًا فلا نزل القطر .

ويهزأ ببيت أبي العلاء:

فلا هطلت علي ولا بأرضي ... سحائب ليس تنتظم البلادا

... وبقول البارودي:

أدعو إلى الدار بالسقيا وبي ظمأ ... أحق بالري لكني أخو الكرم

ليس مظهر التضحية مقصورًا على الجنود في مواقف القتال؛ فليس هذا إلا مثلًا عاليًا من أمثلة التضحية، ولكن هناك أمثلتها العديدة في الحياة اليومية لكل فرد؛ فالذي يتنازل عن لذته الفردية الضيقة؛ للمصلحة العامة الواسعة يكون مُضَحِيًَّا على قدر ما بذل، والموظف ينال شيئًا من العناء؛ لراحة الجمهور مُضَحٍّ، والمدرس يبذل أقصى جهده في إعداد درسه وإيصاله إلى طلبته مَُضحٍّ، والغني يتنازل عن بعض لذائذه لخير الناس مَُضحٍّ، والمزارع يرعى حال فلاحيه مَُضحٍّ، وهكذا.

وعلى قدر انتشار هذه الروح في الأمة يكون مقدار رُقِيِّها ونجاحها ، ولا تفلح أمة يبحث أفرادها عن لذائذهم الشخصية فقط، مهما حسن تشريعها وصلح قادتها، فَشرِّع ما شئت لتنظيم التموين فلن ينجح، ما دام كل فرد لا ينظر إلا إلى شخصه، وشَرِّع ما شئت لتنظيم الضرائب فلن ينجح مع محاولة الأفراد الهرب منها، وشَرِّع ما شئت لإصلاح الفلاحين فسيظلون كما هم، مادام التشريع لا يلقى مجاوبة من نفوس القادرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت