الصفحة 337 من 989

لقد أضاع علماء النفس المحدثون جمال التضحية بما أفرطوا من تحليل، وما أرجعوا من أعمال نبيلة إلى غرائز وضيعة، وما وصلوا إليه من أنَّ مظاهر إنكار الذات تعود في آخر الأمر إلى حب الذات، فقالوا _ مثلًا _: إن السياسي الكبير الذي يدل مظهره على أنه يؤدي واجبه، ويخدم أمته، ويتحمل أشق الأعباء في سبيل مَجْدِها ورُقِيِّها ونُهوضها لو حللت البواعث التي دفعته إلى عمله وسلوكه هذه السبيل لوجدتها ترجع في النهاية إلى غريزة حب الذات، وشعوره الكمين بأهمية ذاته وعظم شخصه، والواعظ الذي يعظ الناس ويذكرهم بالدين، ويخلص في سبيله، ويتحمل أشد العذاب في سبيل تحقيق دعوته وانتشار عقيدته إنما نصل إلى النهاية عند تحليل نفسه إلى حبه إظهار شخصه، وتمجيد ذاته، والتفات الناس إليه، واتجاههم نحوه، والزاهد الذي فَرَّ من الحياة ولذاتها، واعتكف في الأديار أو التكايا أو نحوها، وتجرد من الدنيا وشؤونها لم يكن في الحقيقة عند التأمل العميق في بواعثه إلا ناظرًا لنفسه، هاربًا من تبعات الحياة وتكاليفها، والطبيب الذي يعنى بمرضاه ولا يعنى بنفسه، ويتعرض للأخطار أيام الوباء؛ إنقاذًا للناس، ولو كان في ذلك حتفه قالوا: إنما يبحث وراء حسن سمعته وذيوع شهرته، والعالم الذي يقضي أوقاته في معمله أو في مكتبه باحثًا وراء حقيقة يكتشفها، أو نظرية يعثر عليها، أو اكتشاف يخدم به الإنسانية دواءًا لمرض، أو إمتاعًا للناس في ناحية من نواحي حياتهم ليس _ في نظرهم _ إلا مجيبًا لما رُكِّب في طبيعته من حب الاستطلاعِ، والمصلحُ الذي يكدح ليله ونهاره في سبيل خدمة قومه وإصلاح عيوبهم، ومعالجة ما أصيبوا به من مرض اجتماعي، ليس يرجع ذلك _ في رأيهم _ إلاَّ إلى حب الظهور، وإشباع رغبته في إعظامِ نفسه، والدويِّ حول شخصه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت