الصفحة 338 من 989

بل أكثر من ذلك وأعنف، قالوا: إن الممرضة التي تهب نفسها لخدمة المرضى، وتعمل جهدها في الرحمة بهم، وتلطيف عذابهم، وتضميد جراحهم، وتجد من نفسها السعادة في تفريج كربهم وتخفيف لآلامهم _ ليست في الحقيقة مدفوعة إلى ذلك إلاَّ لداعي ما ركب في غريزتها من الاستطلاع الجنسي، قالوا: وإنما اختارت هذا الضرب من الإحسان؛ لأنه محفوف بما يغذي نفسها من مظاهر الإعجاب والمدح والثناء، والظهور بمظهر من يفني ذاته في نفع الناس، ويضحي بخيره لخير الناس.

وهكذا رجعوا كل البواعث النبيلة، ومظاهر التضحية الجميلة للغرائز الوضعية المتأصلة في النفس، وللبواعث الذاتية المتأصلة في الإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض.

وقالوا: وما ذنبنا أن وجدنا الإنسان هكذا خلق، وعلى هذا طبع، وهو هو من بدايته إلى نهايته؟

ولكن أحق هذا؟ أيستطيعون أن يستمروا في تفسيرهم لكل أنواع التضحية من شخص لا يؤمن بدين، وهو _ مع هذا _ يرمي بنفسه في ميدان القتال دفاعًا عن أمته، وأمٍّ تُضَحِي براحتها ولذتها لابنها من غير أن تنتظر مثوبةً أو جزاءًا، ونحو ذلك من أمثلة لا تعد؟.

وهَبْ ذلك كله صحيحًا، فهل ذهب جمال التضحية، وقيمة التضحية؟.

لتكن كل هذه الأعمال النبيلة ناشئة عن غرائز شخصية وبواعث ذاتية؛ فهذه الغرائز في الحقيقة والواقع قد تتجه إلى أعمال خسيسة، فنكرهها ونشمئز منها، وهي هي قد تتجه إلى أعمال تنفع الناس؛ فنعجب بها، ونمجدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت