فهرس الكتاب
إن حُبَّ الذات قد يدفع الشخص إلى أنْ يقتل استيلاءًا على مال القتيل، وقد يدفعه إلى أن يقتل دفاعًا عن أمته أو دفاعًا عن عرض فتاة، ومحب الظهور قد يغذي غريزته بتضليل الناس، وخلق المؤامرات، وتدبير الدسائس حتى يُعْتَرَف له بالمقدرة، وقد يغذي غريزته بالإحسان الكثير والإصلاح الكبير، والمرأة قد تدفعها غريزتها الجنسية إلى الاستهتار، وقد تدفعها الغريزة نفسها إلى التمريض؛ فالغريزة في كل هذه الحالات واحدة، ثم قد يصدر عنها الخير، وقد يصدر عنها الشر؛ فالعبرة بالنتائج لا بالتحليل إلى العناصر الأولية.
وخَطَأُ علماء النفس هؤلاء _ إن كان ما يقولون صحيحًا _ أنهم أفرطوا في التحليل، ولم ينظروا في التركيب، بالغوا في المقدمات، وأعرضوا عن النتائج.
لتكن كل الأعمال ناتجة عن حب الذات، فلا تزال هناك أعمال نبيلة وأعمال خسيسة، ولا يزال هناك من الأعمال ما يصح أن يسمى =أثرة +وأنانية، وما يصح أن يسمى إيثارًا وتضحية، وكل الفرق فرق في التعريف لا في المعرف، وفي العَرَض لا في الجوهر، فعلى قولهم تكون التضحية أن يجد المرء لذته الشخصية فيما يعود على الناس بالنفع، وعلى قول الآخرين هي أن يبعثه على عمله نفع الناس وخيرهم.
ولا عبرة بالمقدمات إذا تساوت النتائج، وليس يهمنا أن يكون الباعث له على إتيان الخير لذاتهِ الشخصيةَ، أو رغبتَه في الصالح العام مادام العمل ينتج هذا الخير.
ولا يزال الناس بعد هذا البحث السيكولوجي منقسمين إلى قسمين: قسمٍ لا ينظر إلا إلى شخصه في حدوده الضيقة، وقسم ينظر إلى شخصه في حدوده الواسعة.