الصفحة 340 من 989

قسمٍ ينظر إلى ذاته كالحيوان، وقسمٍ ينظر إلى ذاته كفرد في أمة، وعضو في جسم، وفرع في شجرة، يوفق بين نفعه ونفع أمته، ونفعه ونفع شجرته، قسم بلغ به ضيق النظر أن يجد لذته في حرمان الناس، وسعادته في شقاء الناس، أو هو _ على الأقل _ لا يهتم بالناس، وقسمٍ قد بلغ من سعة نظره أن يجد لذته في لذة الناس، وسعادته في سعادتهم، وخيره في خيرهم، وهذا غاية الرقي.

وخير الناس من استطاع أن يوفق بين غرائزه وخير الناس، فإذا كان محبًا للظهور فليظهر بما ينفع أمته، وإذا كان محبًا للاستطلاع فلا يستطلع أخبار الناس وعيوبهم وخفاياهم، وإنما يستطلع حقيقة مجهولة في العلم أو قانونًا مجهولًا في الطبيعة؛ ومن كان طبعه الخوف فليخف من شر يلحق الناس، وأذى ينالهم، ولا يخف من أوهام من خَلْقِه، وعفاريت من خياله، وهكذا...

مهما قيل فالتضحية أنبل ما وصل إليه الإنسان، منظرها أجمل منظر وأروعه، ولا شيء يكسب الأمة قوة كما تكسبها التضحية؛ فالأمة المضحية تأكل غير المضحية في سهولة ويسر؛ لأن الأمة المضحية كتلة متماسكة، ووحدة واحدة، والأمة غير المضحية أفراد متفككة، وشهوات متعددة، تتحارب أجزاؤها، ويأكل النزاع والشهوات والأنانية قواها؛ فالأسرة التي يعمل فيها كل فرد لشخصه أسرة ميتة، والمصنع الذي يعمل فيه كل فرد لمصلحته الخاصة لا يبقى شهرًا، والحزب الذي ينظر فيه كل عضو إلى نفسه فقط حزب مصطنع لا حول له ولا قوة، والأمة التي يحسب فيها كل فرد حساب لذته الخاصة هي أفراد لا أمة.

في الأمة التي تسودها التضحية كل أفرادها أقرباء، وفي الأمة التي تسودها الأنانية كل أفرادها غرباء.

لا تكون التضحية حتى يتعود القلب لذة العطاء كما يتعود لذة الأخذ، ولذة أن الناس يجدون ويسعدون، كما يتعود أن يتلذذ من أن يجد ويسعد.

التضحية إرادة القوي، ليقوى، وإرادة الضعيف، ليتخلى عن ضعفه، هي حجر المِسَنّ تشحذ عليه الإرادة؛ لتقطع الصعاب وتجتاز العقاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت