فهرس الكتاب
التضحية أشرف الطرق تسير فيه الأمة لتحقيق ذاتيتها، وأنبل السبل تسير فيه الإنسانية؛ لتبلغ غايتها، وبدونها يصبح الإنسان حجرًا لا روح فيه، أو بهيمًا يعيش؛ ليأكل.
التضحية أفق واسع تنعم فيه النفس بجمال السعة، وبعد المدى، وجلال اللانهاية.
والأنانية أفق ضيق تألم فيه النفس بضيق المكان، وتنقبض فيه من كثرة السدود والحدود.
في التضحية حرارة وإيمان يسعد، وفي الأنانية جمود بارد وإلحاد مقبض.
في التضحية حياة كلية شاملة وفناء النفس فيما حولها ومن حولها، وفي الأنانية حياة جزئية محصورة، ودوران النفس حول ذاتها في خمود وركود .
في التضحية كرم وسماحة، وفي الأنانية شح وكزازة [وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] الحشر:9 .
الحياء (1) للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين
هذا الخلق إذا غرز في النفس ونمت عروقه فيها ازداد رونقها صفاء، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خيرات حسان، يعبر عنها عشاق الفضائل بصيغة الإنسانية.
وإذا انتزع من شخص فَقَدَ المروءةَ، وثكل الديانةَ التي هي الجناح المبلّغ لكل كمال.
والدليل على ما نقوله أن الحياء عبارة عن انقباض النفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عما تنزع إليه الشهوة من القبائح، فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النفس اختلت هيئة الإنسانية بالضرورة، وبقي صاحبها سائمًا في مراتع البغي والفسوق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان.
ويرشدنا إلى هذا قوله _ عليه الصلاة والسلام _: =لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء+ رواه مالك في الموطأ.
وفي الصحيح _ أيضًا _ أن رسول الله"مرّ على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله": =دعه فإن الحياء من الإيمان+.
قال العلماء: وإنما صار الحياء من الإيمان المكتسب وهو جبلّة لما يفيد من الكف عما لا يحسن فعبر عنه بفائدته.
(1) السعادة العظمى _ عدد3 _ غرة صفر 1322 المجلد الأول ص49_50.