فهرس الكتاب
فالذي يستهين بالكلمة الكاذبة يطلق بها لسانه, يؤذي نفسه, ويرهق المجتمع خللا وفسادًا؛ فالكذاب لا يعد عضوًا أشلَّ فقط, وإنما هو عضو يحمل دمًا مسمومًا لا يلبث أن يسريَ إلى الأعضاء المتصلة به، فيؤذِيَها.
أثر صدق اللهجة في العلم:
يمرق الرجل من فضيلة الصدق على طريق شتى, وأبعد هذه الطرق ضلالًا أن يتحدث في العلم بما ليس من العلم, أو يضيف إلى أحد قولًا لم يصدر عنه, يفعل هذا من يرغب في التفوق على قرين ينافسه, أو يرغب في أن تطير له سمعةً أعلى من منزلته.
ومن يحاول التفوق على قرينه بزخرف من الباطل فهو أخو الساحر, ولا يفلح الساحر حيث أتى.
ومن رضي بأن تكون سمعته فوق منزلته فإن وراء السمعة عقولًا تزن الرجال بالآثار؛ فلا يَدَعُون السمعةَ تغلو في طيرانها, بل يأخذون بناصيتها، ويهبطون بها إلى أن تكون مع منزلة صاحبها على سواء.
ولو أيقن أولئك الذين يدسون في العلم ما ليس من العلم أن من حولهم بصائرَ نافذةً وأقلامًا ناقدةً _ لما انسلخوا من لباس الصدق, ولكنهم قوم لا يوقنون.
يتحدث العالم في غير صدق, فتذهب الثقة به من القلوب، ويذهب معها شطر علمه وهو ما يرجع إلى النقل والرواية.
وكم من مُنتمٍ إلى العلم اطلعوا له على اصطناعه خبرًا؛ فطرحوه من حساب الموثوق بنقلهم, وكذلك الرجل يخرج عن أدب الصدق مرة, فيتعدى شؤم الكذب إلى سائر أقواله, فتوشك أن تذهب كما يذهب هذيان المُبَرْسَمِين هزوًا.
كذبت ومن يكذب فإن جزاءه ... إذا ما أتى بالصدق أن لا يُصَدَّقا
علل التهاون بصدق اللهجة:
ينحرف الرجل في حديثه عن قصد السبيل لدواعٍ مقبوحةٍٍ, ومآربً دنيئة.
وليس في وسعنا ذكر هذه الدواعي والمآرب, وإنما نسوق منها أمثلة تريكم أن من لا يَقْدُر قيمة الصدق قد يبيعه بثمن بخسٍ, وكلُّ مايرضى به ثمنًا للصدق فهو بخس ولو حثوا له من هذه الصفراء والبيضاء (1) ما لا يأتي عليه حساب.
(1) يقصد بالصفراء: الذهب، وبالبيضاء: الفضة (م) .