الصفحة 350 من 989

وأما طيب العيش فإن الناس لا يطمئنون إلا إلى معاملة الصادق الأمين، وشأنهم الانصراف عمن ألفوه يضع الكلمة في غير وقع, وقد يحرص التاجار أو الصانع على درهم أو دينار يقتنصه بكلمه غير صادقة, فإذا هو يضيع سمعة طيبة, وربحًا وافرًا.

ومن الشاهد: أن الصدق يكسب الرجل وقارًا، ويلقي له المودة في عشيرته والناس أجمعين.

واحترامُ الناس للرجل مما يدعوهم إلى النصح في صحبته, وإذا وضع بين أيديهم شأنًا من شؤونه الحيوية قاموا عليه بإخلاص.

وأما صفاء البال فمن ناحيتين:

أولاهما: أن مرتكب الرذيلة لابد أن يحس بوخز في ضميره، ويسمى توبيخ الضمير, والكذب من أفظع الرذائل؛ فوخزه في الضمير غير يسير, ومتى سار الإنسان في طرق الصدق، وأقام بينه وبين الكذب حصنًا مانعًا عاش في صفاء خاطر, وراحة ضمير, ولم يكن لهذا الوخز النفسي عليه من سبيل.

أخراهما: أن من يلطخ لسانه برجس الكذب لابد من أن تبدوَ سريرته، ويجرَّ عليه شؤم هذه الرذيلة شقوة, فلا يلاقي من الناس إلا ازدراءًا, وربما رموه بالتوبيخ في وجهه.

أما صادق القول فإنه يظل ضافي الكرامة آمنًا من مثل هذا الخطاب المشين.

أثر صدق اللهجة في سعادة الجماعة:

تسعد الجماعة، وتنتظم شؤونها على قدر احتفاظها بفضيلة الصدق؛ فالمعاملات كالبيع, والإجارة, والقرض, والشركة لا يتسع مجالها ويستقيم سيرها إلا أن تديرها لهجة صادقة.

والأمة التي تسود فيها فضيلة صدق اللهجة حتى يكون القائم بأي عمل موضع ثقة الجمهور تتقدم حالتها الاقتصادية, ولا يجد عدوها الوسيلةَ إلى مزحمتها في نحو التجارة والصناعة.

والصداقات التي تجعل أفراد الأمة كالجسد الواحد إنما يشتد رباطها على قدر ما يكون لهؤلاء الأفراد من الاحتفاظ بصدق اللهجة.

وقد يكون للكاذب صديق من صنف أصدقاء المنفعة, ولكنه لا يستطيع أن يتخذ من إخوان الفضيلة صديقًا حميما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت