الصفحة 357 من 989

وهو مع ذلك لا ينقطع عن الأذكار وحلقاتها، ويجهر بالبكاء إذا سمع الموعظة، وينكر أشد الإنكار على من يهمل السنن؛ فيشرب بشماله، أو يحلق لحيته، والناس يتبركون بلثم يده؛ فكيف السبيل إلى إفهام هؤلاء الناس ما هي حقيقة التقى كيلا يعظموا اللص، ويجعلوه وليًَّا مباركًا، ولا يغتروا بالصلاح المجاني الذي لا يكلف صاحبه مالًا، بل يجمع به المال، ويعلموا أن الله الذي وضع في نفوس الشباب شهوة الجسد وضع في نفوس هؤلاء المشايخ _ لست أعني المشايخ كلهم _ شهوة المال، وأنه لا فضل لأحدهما على صاحبه؛ وأن الشيخ التقي هو الذي لا يقيم للمال وزنًا، ولا عبرة بغضه البصر عن النساء واتباعه سبيل العفاف؛ وأن الشاب الصالح هو الذي لا تغلبه على نفسه تلك الشهوة ولا عبرة ببذله المال...

لقد انحدرت أخلاقنا حتى صار الشاب منا حين يخوض خِضَمَّ الحياة، ويرى الاختلاف بين ما علموه من الأخلاق في المدرسة، وما تواضع عليه الناس في الحياة _ يقف حائرًا مدهوشًا لا يدري ما يأخذ وما يدع؛ فلا هو يرتضي لنفسه التفريط في أخلاقه: صدقه وأمانته وعزة نفسه، ولا هو يرتضي الحرمان من المتع واللذائذ والمناصب العالية والمرتبات الكبيرة يناله جزاء تمسكه بما علَّموه من الأخلاق.

حدثني صديق لي أنه انتسب في شبابه إلى الشرطة، فجعلوه رئيس مصلحة السير في بلدة من بلاد الشام، وكان ذلك منذ خمس وعشرين سنة أو أوفى من ذلك، وكان مقره في مخفر في ظاهر البلد، فمر عليه رَتْلٌ من السيارات في حجاج آيبون، وكان نظام تلك الأيام أن سيارة لا تجتاز على مخفره إلا بوثيقة وإذن، لا أدري ما صفتهما فقد نسيت دقائق حديثه، ولم يكن معهم ذلك الإذن فوقفهم، ومنعهم من المرور إلا به، قال: فغاب السائق هنيهة ثم عاد وفي يده صرة وضعها على مكتبي فيها أربعون ريالًا مجيديًَّا، وقال هؤلاء حجاج آيبون يريدون التعجيل بالوصول، وهذه الصرة ثمن فنجان قهوة رجاء السماح لهم... إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت