فهرس الكتاب
قال: فلما سمعت ذلك قفَّ شعري وصحت به: أتريد أن ترشوني يا كذا وكذا، وأمرت به فوقف، واستلمت الهاتف (التلفون) أهتف بمدير الشرطة أرفع إليه الأمر، وأنا أرى أنه سينزل به أشد الجزاء، فإذا به يأمر بإطلاقه، ويأذن للسيارات بأن تسافر على خلاف النظام، وأن يبعث إليه بالمال، ليجري التحقيق.
قال صديقي: وذهب المال ولم يعد، وتركت العمل، ولو أني بقيت لطرحت عن عاتقي ثقل الأخلاق التي تجعلني غريبًا بين زملائي، وتحرمني الغنى، وتكسبني غضب الرؤساء، فلا يصيبني ترفيع، ولا يصل إليَّ خير.
وليست هذه القصة فريدة في بابها، ولا هي نادرة من النوادر، بل هي قصة كل يوم، وهي الداء الذي يزداد ويسيطر، والأساة عنه غافلون.
وأين أساته وأهل السياسة مشغولون بالقتال على كراسي الحكم، هي الدنيا لهم وهي الأخرى، وأهل الأدب بين نائم يستمتع بشهيِّ الأحلام، ومستيقظ قد ألهاه هواه، فهو يملأ الدنيا بكاءًا ونحيبًا؛ لأن صاحبته أسهرته بعدِّ النجوم ولم تأته، أو أنها قد وعدته بقبلة ثم وجدت أجمل منه، أو أفسق فأعطته إياها، وأهل العلم يعيش أكثرهم على هامش الحياة لا همَّ له إلا مرتبه يقبضه من دائرة الأوقاف في مطلع كل شهر، ثم لا تراه ولا يراه أحد إلى الشهر الذي بعده، أو حاشية يقرؤها ويعيدها على من حضر مجلسه قراءة تبرك لا قراءة تحقيق، فلا يرجع، ولا ينتقد، ولا يقابل قانونًا على قاعدة فقهية، ولا ينظر مشكلة من مشاكل العصر؛ ليرى حكمها.
ومن اشتغل منهم بالمسائل العامة أخذ نفسه بالاهتمام بأمر لا يقدم في الدين ولا يؤخر، ولا يتوقف عليه إيمان ولا كفر.