فهرس الكتاب
وهناك من يهرب _ كالطفل _ من كل تبعة، لا يقتحم الحياة، ولكن ينتظر القدر، ولا يزاحم، ولكن ينتظر الحظ، إن عرض له شيءٌ متعب تنحَّى عنه إلى شيءٍ مريح.
وهناك أسوأ من هذا، من رفع نفسه فوق الناس، فهم لم يُخلقوا إلا له، ولم تُخْلق عيونهم إلا لتقع على مطلبه، ولا آذانهم إلا لتصغي إلى كلمته، ولا أيديهم إلا للعمل في خدمته، يسير في الحياة على ما يهوى، ويحب أن يسير الناس فقط على ما يهوى، فهذا _ أيضًا _ طفل كبير، وكم في الناس من أطفال كبار، وهم في طفولتهم أشكال وألوان.
ارسم خطًَّا مستقيمًا رأسيًا، وضع في أسفله (أنا) وفي أعلاه (نحن) وامتحن نفسك: كيف أنت في عملك؟ هل لا تنظر إلا إلى شخصك، أو تراعي فيه مصلحة قومك؟ وكيف أنت في علاقتك بالناس وعلاقة الناس بك؟ وهل تؤدي زكاة مالك، وزكاة علمك، وزكاة فنِّك، وزكاة كفايتك؟ أو تشح بكل ذلك؛ فلا تنفقه إلا لمال أكثر تحصله، أو جاه تبتغيه؟ وكيف أنت في نيَّاتك ومقاصدك، هل يؤلمك بؤس الناس وشقاؤهم وفقرهم؛ فتتعاطف معهم، وتعمل جهدك لإسعادهم؟ أو أنت وبيتك، ثم على الدنيا العفاء؟
وحدد بذلك كله مركزك من الخط المستقيم، فإذا قربت جدًا من (أنا) فهذا دليل الطفولة ولا محالة، وإن قربت جدًا من (نحن) فأنت رجل.
هذا هو التقويم الصحيح للناس، وهو _ مع الأسف _ غير ما تواضعوا عليه؛ إنهم يقدرون الرجل بماله وبجاهه وبمنصبه، وبكل شيءٍ إلا قيمته الحقيقية.
ولو راعيت هذا المقياس الحق الذي ذكرنا لرفعت من شأن عامل بسيط على صاحب مصنع كبير، وموظفٍ في الدرجة الثامنة على موظف في الدرجة الأولى، ومعلمٍ أوَّليٍّ على سَرِيٍّ كبير، وكنَّاسٍ مخلصٍ على طبيب غير مخلص، وجنديٍّ مجهولٍ على قائد مشهور.
ولكن أنَّى لنا المدنية الحقَّة التي تهدم نظام القِيَم المتعفِّن لتضع مكانه نظامًا للقيم نظيفًا؟