الصفحة 35 من 989

ثم الأمر في النفس ليس كالأمر في الجسم؛ فقد ينضج الجسم ويكتمل، والنفس لا تزال على حالها نفس طفل، فالشاعر كان محقًا حين قال:

.. . . . . . . . . . . . ... جسم البغال وأحلام العصافير

وفي الناس حولنا أشكال وألوان من هذا القبيل، رجولة جسم وطفولة نفس، ومقياس ذلك الذي لا يتخلف هو ضمير (أنا) و (نحن) ، فإن رأيت لا شيء إلا (أنا) رأيت طفلًا مهما كان جسمه وسنُّه، وإن رأيت (نحن) كثيرًا و (أنا) قليلًا رأيت رجلًا، والرجال قليل.

هناك من ليس أمامه في الدنيا إلا جسمه، يبحث حياته عن الأكل الطيِّب، والملبس الطيب، والنعيم الطيب، وذلك كل تفكيره، وكل سعيه، وكل غرضه، ركزوا في صحة جسمهم ونعيمه كل شعورهم، وكل عواطفهم، وكل ملذاتهم، فإن عملوا عملًا خارج هذه الدائرة فلهذه الغاية، تعرفه بالإفراط في العناية بنوع ما يأكل، ومقدار ما يأكل، وبهندامه وبمرآه في المرآة، وبالحذلقة في حركاته وسكناته، ونحو ذلك، ثم لا شيء، فهذا طفل كبير.

وإن شئتَ فعُدَّ من هذا القبيل ناسكًا راهبًا لا يفكر في أحد من بني آدم حوله، ولا يهمه حال قومه سياسيًا ولا اجتماعيًا، ولا يعنيه شقوا أم سعدوا، ولا يحتمل تبعة شيء، ولا يُصدِّق أحدًا، ولا همَّ له في الحياة إلا نفسه وعبادته، أليس هو الآخر طفلًا كبيرًا شغلته ( أنا ) عن ( نحن ) ؟

وهناك من يَحُدُّ العالم بحدود نفسه، إذا فكَّر فكَّر فيها، وإذا عمل عمل لها، لا يعنيه من العمل إلا مقدار ربحه منه، خسر الناس أو كسبوا، لا يمنعه من الغش في عمله إلا خوف العقوبة، فإن أمِنَها عمل ما شاء؛ ليربح مالًا، أو يكسب شهرة، أو يحقق غرضًا من أغراضه لنفسه، تعلم درس الأخذ ولم يتعلم درس العطاء، وليست الدنيا كلها وما فيها إلا قنطرة يعبر عليها للوصول إلى غايته، فهذا كذلك طفل كبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت