الصفحة 34 من 989

إذا كانت جماهير الناس يعملون للأجر، ويقوِّمون العمل بالمال؛ فإن أُعطوا كثيرًا عملوا كثيرًا، وإن أُعطوا قليلًا عملوا قليلًا، ويفاضلون بين عمل وعمل بقدر ما يدر من ربح _ فإن هؤلاء العظماء يعملون؛ لأنهم يلذُّهم العمل، ويقوِّمون العمل بمقدار ما يحقق من خير لأمتهم، وللإنسانية أجمع، يدأبون في العمل، ويعرِّضون حياتهم للخطر في سبيل مرض يكتشفونه وداء يعالجونه به، أو في سبيل تحرير العقول من أغلالها، أو تحرير العقيدة مما أفسدها، أو يحاربون الظلمة والطغاة؛ لتحقيق العدل في الأمة أو العالم، يحتملون في ذلك العذاب ألوانًا؛ لأن عشقهم للحق غلب حبهم للذات، وهيامهم بـ (نحن) أضعف حبهم لـ (أنا) .

فإذا قال الطفل (أنا) ، وقال الإنسان العادي (أُسرتي) وقال الرجل (أُمَّتي) ، أو (عالَمي) ، وإن تلذذ الناس بالعمل يُرْبِح تلذذهم بالفكرة تنجح، وإن تساءلوا عند العمل: ماذا نجني من دَخْل؟ تساءل هو: ماذا يستلزم العمل من جهد؟.

قد منحهم الله قوَّةً من قوَّته، وقدرة من قدرته؛ فهم _ دائمًا _ مصدرُ نفعٍ وجمال، حدَّدوا غرضهم في الحياة؛ فعلموا أنهم لا يصلون إليه إلا إذا فهموا حق الفهم دنياهم التي يعيشون فيها، وطبائع نفوس الناس في الاستجابة للإصلاح، والنفور منه.

يلتذُّونَ تحمُّلَ التبعات كما يلتذ الجبناء الهرب منها، يواجهون الصعوبات بابتسام، ويتقبلون الهزيمة ريثما يستعدُّون للوثوب، أقوياء في خصومتهم، صابرون في هزيمتهم، كرماء سمحاء في انتصارهم، آلوا على أنفسهم أن يكونوا قوة محاربة للشر المحيط بهم حتى ينهزم، وأن يكونوا ضوءًا يدافع الظلام حتى ينجاب، يكرهون من أعماق نفوسهم المرض، والجهل والفقر، والسخافة والتخريف، وكل عيوب البشرية، ومع هذا يمزجون كراهيتهم لهذه الأشياء بالعطف على المنكوبين بها حتى ينقذوهم منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت