فهرس الكتاب
ويَرْقَى فيه الشعور بـ (نحن) إذا اتَّسع أفُقه في الحياة العامة، وخرج من المدرسة وتولَّى عملًا، وعاملَ الناس، وتبادل معهم المنافع والمصالح؛ فيشعر بأن هناك أناسًا غير أسرَته، وغير مدرسته وغير معارفه، وأنه مرتبط ببعضهم في التعامل، ويشعر بأن هناك مسؤوليةً مُلقاةً على عاتقه نحوَ مَنْ يعمل معهم، وأنه خاضعٌ لقوانين البلاد، وله روابط بقومه وأهل دينه ونحو ذلك، كما يشعر أنه يجب عليه العمل، لا كما يحب الطفل، ولا طاعةً للتقاليد أو خوفًا من العقوبة كالفتى، ولكن ليحصِّل رزقه يقوت به نفسه، أو أهله، أو منْ يحمل عبأهم.
وهكذا تراه يبعد بعض الشيء من (أنا) ويقرُب من (نحن) ، ولكن في حدود ضيِّقة معيَّنة.
فإذا نحن سَمَوْنا لدراسة (الرجال) وعظماء الناس، رأينا استغراقًا وعمقًا في (نحن) ، وضمورًا في (أنا) رأينا الرجل العظيم الناضج يصل إلى منزلة يرى معها أن لا قيمة لحياته إلا إذا ارتبطت بحياة الناس، والعملِ لإسعادهم، لا يقتصر على علاقاته الطيبة بمن حوله في الأعمال العادية، ولكن يضع نصب عينه العمل؛ لترقية الناس روحيًَّا ونفسيًَّا وماديًَّا، لا يرى أن مسؤوليته هي نحو أسرته فقط، ولا أصدقائه فقط، ولا قريته أو مدينته فقط، ولكن لأمَّته خاصة، وللإنسانية عامة إن وسعه الجهد والكفاية، هو واسع النظر، عميق الفهم، رحب الصدر، متسامح أمام ما يشل العقل من العصبية الوطنية والدينية، والخلافات الحزبية، يختبر حاجات الناس، وأسباب شقائهم في الناحية التي هو مُعَدٌّ لها، ثم يوجه إرادته لرفع الشقاء عنهم، وجلب السعادة لهم ما أمكن، ويَحْمِل مسؤولية ذلك في لذة وسرور وتضحية، ولا بأس إن كان فقيرًا، ولا بأس إن لم تُنبته أسرة أرستقراطية، ولا بأس إن لم يتسلَّح بقوَّة؛ فهو يشعر أن نُبل غرضه قوة فوق قوة المال، وفوق الأسرة النبيلة، وفوق أسلحة الناس.