الصفحة 32 من 989

لاحِظ الطفل، وأمعن النظر في تصرفاته، وراقب البواعث على حركاته وسكناته تَخْرُجْ بنتيجة حتمية، وهي أنه أناني مفرط الأنانية، يرى أنَّ أهمَّ ما في الوجود شخصه، وكل شيء حوله يجب أن يكون له، ما يصدر عنه من أعمال فإنما هي لجسمه، ولِلَذَّة يلتذها جسمه، ليس يهمه أي شيء يتصل بغير شخصه، لا يعنيه من أمِّه إلا أنَّ ثدييها وعاء للبنه، كل ما له من عمل، وكل ما له من شعور، وكل ما له من فكر، وكل ما له من رغبات فإنما هي موجهة نحو ذاته؛ فإذا أحسَّ فراغًا من الزمن ليس فيه شيء مما يشتهي ويلتذُّ بكى، لو كُلِّف أن يرسم خريطة العالم كما يرى، واستطاع ذلك لَرَسم شخصه فقط، وكان هو العالمَ وحده، وما عداه من شيءٍ فلخدمته.

لاحِظْ بعد ذلك وهو ينمو تجده يتحول من ( أنا ) قليلًا قليلًا إلى ( نحن ) شيئًا فشيئًا؛ فهو يبدأ يشعر بأسرته بجانب شخصه، ثم بتلاميذ مدرسته بجانب نفسه، ويتعلَّم دروس الأخذ والإعطاء بعد أن كان درسه الوحيد هو الأخذ، ويضم إلى العمل لشخصه العمل لغيره، ويعتاد ألا يعمل فقط ما يحب، بل يعمل _أيضًا_ ما يجب، ويعمل ما تقتضيه التقاليد، ويعمل خوف الاستهجان أو العقوبة أو نحو ذلك، يتعلَّم ذلك كله في أسرته، وفي مدرسته، وفي ألعابه وفي شارعه، ويتولَّد فيه شعور، وتفكير، ورغبات للعمل للغير، كما تولَّدَت فيه من قبل هذه الأمور للعمل لشخصه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت