الصفحة 364 من 989

البخل إحدى الملكات النفسية، والمَلَكَةُ صفةٌ راسخة في النفس تصدر عنها آثارها عفوًا بدون روية ولا اختيار؛ فكما لا يُسأل المسرفُ عن سبب إسرافه، والغاضبُ عن غايته من غضبه، والحاسدُ عن غرضه من حسده _ كذلك لا يسأل البخيل عما يستفيده من بخله وحرصه؛ فكثيرًا ما تعرض لأرباب هذه الملكات عوارضُ تنزع بهم إلى الرغبة عن التخلي عنها حينًا، فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا؛ لمكان تلك الملكات من نفوسهم، ونزولها منها منزلة لا تزعجها الرغبات، ولا تزعزعها الإرادات.

وربما عرض للبخيل ما يدفعه إلى بذل شيء من ماله؛ فإذا وضع يده في كيسه وحاول القبض على شيء مما فيه أحس كأنَّ تيارًا كهربائيًا قد سرى من نفسه إلى يده؛ فتشنَّجت أعصابُها، وتصلَّبت أناملُها، وأعيت على الالتواء والانثناء؛ فأخرجها صفرًا كما أدخلها، وبودِّه أنْ لا يفعل لولا أنَّ للغريزة قوةً فوقَ الإرادة، وسلطانًا تخضع له الرغبات، وتنقاد إليه العقول، إلا إذا كان وراءها وازع من القانون يزعها؛ فإنه يكسر شرتها أحيانًا، وإن لم ينتزعها انتزاعًا.

ويحكى أن شحيحًا تحركت في قلبه يومًا الشفقةُ على ابنته الجائعة العارية؛ فأراد نفسه على أن يبذل لها شيئًا من ماله فَتَأَبَّتْ عليه؛ فأذن لوكيله أن يختلس لها من ماله ما يسد خلَّتها من حيث لا يعلمه بذلك، ولا يدعه ينتبه لشيء منه، علمًا بأنه لا يستطيع أن يكون كما يريد .

فالوجه في السؤال أن يقال: ما هي الأسباب التي غرست ملكةَ البخل في نفس البخيل؟ فيكون الجواب عن ذلك: أن الأسباب تختلف باختلاف الأشخاص، وأطوارهم، وأخلاقهم، وتربيتهم، ونحن نذكر أهم تلك الأسباب من حيثُ ذاتُها بقطع النظر عن افتراق ما يفترق منها، واجتماع ما يجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت