فهرس الكتاب
الأول _ الوراثة: وهي _ وإن كانت سببًا ضعيفًا لما يعرض للأخلاق الموروثة أحيانًا من التغير والانقلاب بمعاشرة المتصفين بأضدادها، والتأثر بمخالطتهم _ إلا أنها كثيرًا ما تنمو، وتتجسَّم إذا أُغفلت ولم يعترضها ما يسد سبيلها، ويقف في طريق نمائها.
الثاني _ التربية: إذا نشأ الطفل بين أهل أشحَّاء، ولم يكن في فطرته ما يقاوم سلطان التربية على نفسه أخذ أخذهم في الحرص، وتخلَّق فيه بأخلاقهم كما يتخلق بها في العقائد والعادات من حيث لا يفكر في استحسان أو استهجان، كأنما هي عدوى الأمراض التي تسري إلى الإنسان من حيث لا يدري بها، ولا يشعر بسريانها.
ويُحْكَى أن رجلًا دخل منزلًا يُعْرَف أهلُه بالشح والحرص، فرأى طفلًا صغيرًا في يده ليمونة؛ فطلب إليه أن يعطيه إياها، فأجابه الطفل: =إن يدك لا تسعها+!
الثالث _ سوء الظن بالله: ذلك أن المتدين إذا أخذت عقيدة القضاء والقدر من نفسه مأخذها رسخ في قلبه الإيمانُ بأن لله _سبحانه وتعالى_ عينًا ساهرة على عباده الضعفاء؛ فهو أرحم من أن يغفل شأنهم، ويكلهم إلى أنفسهم، ويسلمهم لصروف الليالي وعاديات الأيام؛ فلا يَلِجُّ به الحرصُ على الجمع، ولا يزعجه الخوف من البذل.
وعلى العكس منه ضعيف الإيمان، ضعيف الثقة بواهب الأرزاق، ومقسم الحظوظ والجدود؛ فهو لسوء ظنه لا يزال الخوف من الفقر نصبَ عينيه حتى يصير البخل ملكةً راسخة فيه.
الرابع _ النكبات: كثيرًا ما تحلُّ بالإنسان نكباتٌ تصهر قلبه، وتزعج غريزته من مستقرها، ومن ذلك النكباتُ التي يكون مرجعُها قلةَ المال، كأنْ يقع الرجل في خصومة يرى أنه لولا ضيقُ ذات يده لما وقع في مثلها، فكلما تمثلت له نكبةٌ لجَّ به الحرصُ، وأغرق في المنع، حتى يصير ذلك غريزة فيه، وخلقًا ثابتًا له.